السيد محمد الصدر
364
منة المنان في الدفاع عن القرآن
الناسوت هو عالم الأجسام الذي لا يكون فاعلًا ، وإنَّما مطيّة ، وأمّا الفاعل فهو العوالم الوسطى ، وهما عالم الملكوت ، أعني : ذاك الجسم البرزخي الملكوتي ، وعالم الجبروت الذي هو عالم العقل القائد لهذا الجسم ، وهذان العالمان هما راكبان وقائدان للمادة ، أي : الجسم الدنيوي ، فالفاعل الحقيقي بمرتبة إنَّما هو عالم الملكوت وعالم الجبروت للانسان . والنفس والعقل هما الفاعل الحقيقي ، وعليهما تقع العقوبة ، ولهما يحصل الثواب ، وهذا لا يتنافى مع المعاد الجسماني ، وليس إنكاراً له ، بل المعاد جسماني ، ولكنه ليس جسماً دنيويّاً ، وإنَّما جسم بالمقدار الذي يناسب عالمه . نعم ، إذا خطونا خطوة أُخرى وأنكرنا المعاد الجسماني كما أنكره بعض الحكماء « 1 » ؛ إذ يعتقد هؤلاء بعدم الحاجة إلى الإقرار بالجنّة والنار ؛ لأنَّهم يُنكرون الجنّة بالمعنى المتعارف وينكرون النار بالمعنى المتعارف ، وينكرون القيامة كما ينكرون الحشر المشهور ، ويقتصرون على القول بأنَّ الإنسان يحصل نتيجة ذنوبه على ألم شديد ، ويحصل بطاعاته على بهجة كبيرة وسرور عظيم ، وهو يكفي في المقام . إلّا أنَّ ما ذكر خارج عن ظواهر الكتاب والسنّة ( والعياذ بالله ) . وما قرّرناه آنفاً مناسبٌ جدّاً وقابلٌ لدفع الاشكالين ؛ لأنَّ شبهة الآكل والمأكول بالمعنى الأوّل التي تفترض تحلّل الجسم وانعدامه تندفع بكون التحلّل إنَّما يصيب الجسم الدنيوي ، ولا ينال الجسم البرزخي ؛ لأنَّه الفاعل الحقيقي ، فهو الذي يعاقب ويثاب . وأمّا الجسم الدنيوي فليذهب بكلّ تفاصيله ، فلسنا بحاجةٍ اليه ، وعلى
--> ( 1 ) راجع ما أفاده صدر الحكماء والمتألّهين ( قدس سره ) في غير واحدٍ من تصانيفه الثمينة ، كمفاتيح الغيب : 605 ، المبدأ والمعاد : 376 ، الحكمة المتعالية في الأسفار العقليّة الأربعة 166 : 9 ، وغيرها .