السيد محمد الصدر

343

منة المنان في الدفاع عن القرآن

ومن حقّنا لغةً أن نفرض الانتثار بمعنى مجرّد التفرّق تارةً وأُخرى بمعنى الزوال الكامل ، وكلاهما على ما يظهر معنى حقيقي وليس أحدهما مجازاً . غايته أنَّ أحدهما وهو التفرّق ملزوم ، والآخر وهو الزوال لازم ؛ لأنَّ الزوال لازم التفرّق في الحقيقة . الأُطروحة السابعة : أن ننظر إلى العقل وما فيه من نشاطٍ وتفكيرٍ واستنتاجٍ ، فهو ينتثر بالحمل الشائع ، أي : خارجاً وحقيقةً في عدّة موارد : الأوّل : في إيصال نتائج أفكاره إلى المجتمع أو إلى الآخرين مهما كانت تلك الأفكار وفي أيّ مستوى وفي أيّ حقل من حقول المعرفة ، وفي أيّ مرتبة من مراتب الوجود وأوضحها صورة الأُستاذ مع طلّابه . وهنا نقول بشموله الأفكار الحقّة والباطلة ؛ لأنَّ كلّ عقلٍ يفرّق بين الآخرين حتّى لو كانت مواضيعه ومطالبه شهويّة أو فلكيّة أو فيزياويّة أو رياضيّة أو تفسير أو فقه أو أُصول أو منطق أو فلسفة أو أيّ شيءٍ آخر . الثاني : أن يوصل العقل أفكاره إلى الآخرين بصفتها أفكاراً حقّة لهدايتهم ؛ باعتبار أنَّ الكواكب نور الله في ظلمات الأرض ، بخلاف ما تقدّم من كون العقل كوكباً لصاحبه ، أي : مقتضياً لهدايته وفهمه . الثالث : أن يُقال : إنَّ تفكيره ينتثر في ذهنه ؛ لأنَّ تداعي المعاني الذهنيّة ممّا يتعذّر السيطرة عليها ، فتتناثر الأفكار في ذهني بحيث لا أستطيع ردّها . الرابع : أنَّ يُقال : إنَّ الأفكار تنتثر أحياناً وتكون حالتها سقيمة خارجةً عن الوضع الطبيعي ، كما في بعض مستويات السكر أو انفصام الشخصيّة أو بعض مستويات الجنون . ومن الطريف أنَّ المسكر والمخدّر يوصل إلى درجة الجنون ، فتحصل نفس النتيجة ، وهي تفرّق الأفكار وتبعثرها .