السيد محمد الصدر
327
منة المنان في الدفاع عن القرآن
وقد يُقال : إنَّ المشهور يرى أنَّ هذه السماوات تارةً تكون سماءً وأُخرى أرضاً ، وقد يُقال أيضاً : إنَّ هذا الفهم صادقٌ على افتراضه أنَّ السماوات طبقات ، ولا ينطبق على فهم العوالم ؛ إذ لو كانت عوالم فلا معنى لافتراضه أنَّ السماء سماءٌ لشيءٍ وأرضٌ لشيءٍ آخر . أقول : إنَّ المعنى المذكور قد يصدق على كلا الفهمين ، أمّا على الفهم المتشرّعي أو المشهور فواضحٌ ، وأمّا على الفهم الآخر فالأمر كذلك ؛ لأنَّ المراد بالسماء يمكن أن نفترضه على مستويين : الأوّل : أنَّ كلّ عالم فيه أرضٌ وسماءٌ ، فتعدّدت السماوات إلى سبعةٍ والأراضي إلى سبعةٍ ، والسماء الأُولى هي السماء المادّيّة ، وهذه أرضها وما فوقها سماؤها ، والسماء الثانية أيضاً فيها أرضٌ وسماءٌ ، والثالثة كذلك إلى السابعة فلا تكون الأراضي ثمانيةً ولا السماوات ثمانيةً ؛ لعدم الزيادة في المقام ؛ لأنَّنا ألحقناها بالسماء الأُولى ، ولا ينبغي تصوّر أنَّ العرش سماءٌ ثامنةٌ ؛ لأنَّنا نقول : إنَّ العرش من سنخٍ آخر غير سنخ السماوات ، فلا تعدّ من السماوات على كلّ حالٍ . الثاني : أنَّ المراد بالسماء مطلق الفوقيّة والارتفاع ولو بالرتبة أو الشرف ، والرتبة بالمعنى الفلسفي الشرف ؛ لأنَّه كلّما زاد التجرّد الروحي زاد الشرف ، بمعنى : القرب من الله تعالى ، فيكون من بلغ هذه المرتبة أشرف طبعاً ، مع أنَّ الشرف الحقيقي وجود الله . فالمراد حينئذٍ من السماء هو الأكثر شرفاً ، والأرض هي الأدنى والأقلّ شرفاً ؛ فتكون كلّ سماءٍ أعلى الأرض التي تحتها شرفاً وتجرّداً ، وإن كانت متداخلةً معها خارجاً وعملًا ، ولا يضرّ ذلك في كونها سماءً لها .