السيد محمد الصدر
29
منة المنان في الدفاع عن القرآن
المقلوب ، وهذا موجودٌ في اللغة ، كما تقول : أدخلت الخاتم في إصبعي ، وأنت تقصد : أدخلت إصبعك في الخاتم . فتحصّل ممّا سبق : أنَّ ( أذنت ) لها معنيان - وليس بمعنى النَفَس اللغوي - : ( أذنت ) و ( أطاعت ) ، و ( أذنت ) بمعنى ( أمرت ) ، وليس مجرّد الإذن أو السماح ، وإنَّما أرادت أو أمرت ، فهي إمّا مأمورةٌ وإمّا آمرةٌ . فإن قلت : إنَّ قوله تعالى : وَحُقَّتْ « 1 » قرينةٌ متّصلةٌ على فهم المشهور الذي مفاده أنَّ السماء مأمورةٌ لا آمرةٌ ، وأنَّ المراد بالإذن السماع والطاعة ، وليس إصدار الإذن والأمر ؛ لأنَّها إنَّما أمرت بذلك ونفّذته حسب ظاهر العبارة ( أذنت لربّها وحقّت ) ، أي : نفّذت أمر ربّها ، فهذا يكون قرينةً على أنَّ المراد هو الجانب الآخر من المعنى ، وهو أنَّها مأمورةٌ وليست بآمرةٍ . قلت : إنَّما يُستفاد من العبارة حصول كلا الأمرين متزامنيين نسبيّاً ، وهو محصّل ( أذنت ) ومحصّل ( حقّت ) ، وإلّا فمن الواضح أنَّ مجرّد العطف لا يقتضي حتّى ذلك ( أذنت لربّها في يومٍ مّا ، وحقّت أيضاً في يومٍ مّا ) ، ولا يوجد أكثر من ذلك . ولكن لو تنزّلنا وفهمنا السياق ، يُلاحظ مجرّد التقارب الزماني ، أي : إنَّها ( أذنت وحقّت في زمانٍ متقاربٍ ) . ولو خطونا خُطوةً أُخرى في هذا المجال فسنفهم من ( حقّت ) التأخّر الزماني ، أي : إنَّها ( أذنت أوّلًا ثُمَّ حقّت ) إذا جاز لنا التعبير . وإن تقدّمنا خُطوةً أُخرى أيضاً ، فهمنا نحواً من المعلوليّة ل - ( حقّت ) بالنسبة إلى ( أذنت ) أي : أذنت لربّها وحقّت نتيجةً لكونها أذنت .
--> ( 1 ) سورة الانشقاق ، الآية : 2 .