السيد محمد الصدر
288
منة المنان في الدفاع عن القرآن
وإذا قارنّا بين الضحكين أو الاستهزاءين - أعني : استهزاء الكفّار من المؤمنين واستهزاء المؤمنين من الكفّار المذكور في قوله تعالى : فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ - وجدنا أنَّ ضحك الكفّار ضدّ المؤمنين لا يكون إلّا في الدنيا ، ويستحيل أي : استحالة واقعيّة لا عقليّة - أن يكون في الآخرة بعد انكشاف الحقائق أو بعضها للكفّار . فإذا رأوا الآخرة فحينها يقولون : هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ « 1 » أو يقول أحدهم : رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ « 2 » . أو يقولون : رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ « 3 » وهكذا . فضحك الكفّار من المؤمنين منتفٍ في الآخرة قطعاً ، بل هو بمنزلة السالبة بانتفاء الموضوع . غير أنَّ ضحك المؤمنين من الكفّار قد فهمه مشهور المفسّرين في الآخرة فقط « 4 » ، وليس كذلك . فإمّا أن نقول : إنَّه في كلا الدارين ، غاية الأمر أنَّه يكون في الدنيا بأحد سببين : أحدهما : الإيمان العميق في القلوب بأنَّ الكفّار على خطأٍ ، فهم يستهزئون باعتقاداتهم وبأفعالهم . وثانيهما : أنَّه قد يحدث في بعض الأحيان انتصارٌ للمؤمنين بحيث يتسلّطون ضدّ الكفّار ، ويكون لهم القوّة والكبرياء في الأرض ، فتنفتح فرصة الضحك على الكفّار ، وهذا قد يحدث في بعض
--> ( 1 ) سورة يس ، الآية : 52 . ( 2 ) سورة المؤمنون ، الآيتان : 99 - 100 . ( 3 ) سورة السجدة ، الآية : 12 . ( 4 ) أُنظر : البحر المحيط في التفسير 432 : 10 ، الجامع لأحكام القرآن 268 : 20 ، مجمع البيان في تفسير القرآن 694 : 10 ، وغيرها .