السيد محمد الصدر

23

منة المنان في الدفاع عن القرآن

دفع دخلٍ - كان الفناء أشدّ . إن قلت : لماذا ذكرت السماء فقط ، مع أنَّ الأرض أيضاً تزول بهذا المعنى ، وكلّ شيءٍ يزول أيضاً : كالكواكب والبشريّة والجِنّ والإنس ؟ قلت : نعم ، هذا كلّه يزول ، ولكن القرآن يعطي نموذجاً من أهمّ الأمثلة ؛ لأنَّ السماء كأنَّما راسخةٌ وضخمةٌ في أذهان البشريّة ، ولعلّه إليه الإشارة بقوله تعالى : قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا * أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ « 1 » ، أي : تعتبرونه مهمّاً بدرجةٍ عاليةٍ جدّاً ، بل إنَّ المهمّ بدرجةٍ عاليةٍ يفنى في الله تعالى . فليس هناك شيءٌ مهمٌّ بالنسبة إلى الله - كائناً مَن كان ذلك الشيء من الشقّة إلى السماء - وهذا هو المراد بحسب فهمي ، والله أعلم بما يُنزل . وكذلك كلّما كان الشيء أكثر أهمّيّةً ورسوخاً كان أصعب على الفرد تصوّر فناءه ، وإذا كان الشيء بسيطاً فلربما يفنى بسرعةٍ ، والأشياء لا تفنى دفعةً واحدةً ، وإنَّما تفنى تدريجاً ، وهذا ينبغي أن يكون أكيداً ، وكلّما كان أرسخ كان أصعب ، ومن جملة الأشياء الراسخة السماء . وقد رأيت بعض أهل الباطن يقول : إنَّ آخر ما يفنى في نظر الفرد هي أفكاره ، وهذا التسلسل الذهني الذي هو خارجٌ عن اليد يتقلّب بإذن الله وفي الله . ولكن هذا لا يدركه كلّ شخصٍ ، فإذا رجعنا وجداناً إلى الذهن لا نجده ينفرد بالله أكيداً ، بل نُقسم على أنَّنا مقصّرون في ذلك ؛ لأنَّنا لم نصل إلى الكمال .

--> ( 1 ) سورة الإسراء ، الآية : 50 .