السيد محمد الصدر

193

منة المنان في الدفاع عن القرآن

قلنا : لأنَّ المطفّفين كانت عادتهم أنَّهم لا يأخذون ما يُكال وما يُوزن إلّا بالمكيال ؛ لأنَّ استيفاء الزيادة للمكيال كان أمكن لهم وأهون عليهم منه بالميزان ، وإذا أعطوا كالوا أو وزنوا ؛ لتمكّنهم من البخس فيهما « 1 » . أقول : إذا ثبتت هذه العادة تمّ الجواب . ولكنّه عندئذ تكون الآية إشارةً إلى قومٍ معيّنين في الجزيرة العربيّة ، وهو خلاف أخبار الجري « 2 » حتماً ، وخلاف عموم معنى القرآن جزماً . مضافاً إلى إمكان التشكيك بهذه العادة ، وهو أنَّهم يخالفون السوق بصراحةٍ ، فيعطون ما اعتاد الناس وزنه بالمكيال . وهذا ما يؤدّي إلى أنَّ الناس ينصرفون عنهم ولا يشترون منهم شيئاً ؛ لوضوح حالهم ، وليس المفروض فيهم ذلك . وأجاب السيّد الطباطبائي ( قدس سره ) عن هذا الإشكال بأحد وجوهٍ : قيل : لأنَّ المطفّفين كانوا باعةً ، وهم كانوا في الأغلب يشترون الكثير من الحبوب والبقول ونحوها من الأمتعة ، ثُمَّ يكسبون بها ، فيبيعونها يسيراً يسيراً تدريجاً ، وكان دأبهم في الكثير من هذه الأمتعة أن يُؤخذ ويُعطى بالكيل لا بالوزن ، فذكر الاكتيال وحده في الآية مبني على الغالب . ( ولم يناقش فيه ) . وقيل : لم يذكر الاتّزان لأنَّ الكيل والوزن بهما البيع والشراء ، فذكر أحدهما يدلّ على الآخر . وفيه : أنَّ ما ذكر في الاكتيال جارٍ في الكيل أيضاً ، وقد ذكر معه الوزن ، فالوجه لا يخلو من تحكّمٍ . وقيل : الآيتان تحاكيان ما كان عليه دأب الذين نزلت فيهم السورة ؛ فقد

--> ( 1 ) مسائل الرازي من غرائب آي التنزيل : 368 ، سورة المطفّفين . ( 2 ) راجع الباب 12 من كتاب القرآن من بحار الأنوار 114 : 89 - 116 ، لاسيّما الحديث 4 منه .