السيد محمد الصدر
187
منة المنان في الدفاع عن القرآن
( كال ) بخلافه ، يعني : مارسوا العمل بنفسه ، ولذا يقول بعد ذلك : وَإِذَا كَالُوهُمْ . فيكون المعنى : أنَّهم إذا طلبوا من البائع أن يكيل لهم ؛ ضغطوا عليه واتّفقوا معه وأخذوا نصيبهم وافياً . ولعلّه يُستشعر من السياق : أنَّهم يأخذون نصيبهم زائداً على استحقاقهم ، وخاصّةً إذا تصوّرنا أنَّهم هم الذين يتصدّون للكيل من أموال البائع ، ولذا سوف يعطون لأنفسهم الزيادة . ثُمَّ إنَّه توجد نكتةٌ في المقام ، وهي أنَّ الآية الشريفة الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ ووَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ أعطت للمطفّفين صفتين ، فأيّ من الصفتين يصدق على المطفّفين ؟ القدر المتيقّن هو الثاني . فإمّا أن يأخذ حقّه ويعطي حقّه ، وإمّا أن يأخذ قليلًا ويعطي قليلًا ، وإمّا أن يأخذ العدل ويعطي القليل ، ففي الأخير يكون ظلماً للآخرين ؛ لأنَّه لا يتنازل عن حقّه ، ولكنّه يسلب الآخرين حقّهم . والشاهد لما أتينا به في المقام هو : أنَّ الخطوة الأُخرى أن نجعل كلا الصفتين فيها تطفيفٌ ، وفيه قرينةٌ ، على ما سوف يأتي من قبيل حرف ( على ) . ويُلاحظ استعمال حرف الجرّ ( على ) بالرغم من إمكان اتّخاذ تعابير أُخر مثل : ( اكتالوا من الناس ) يعني : أخذوا كيلهم وحقّهم من الناس ، و ( اكتالوا الناس ) يعني : جعلوا الناس يكيلون لهم ، نظير الاستعمال في قوله تعالى : كَالُوهُمْ ووَزَنُوهُمْ . وهذا الحرف فيه عدّة أُطروحاتٍ : الأُولى : أن يكون بمعنى ( من ) والحروف تُستعمل بعضها في محلّ بعضٍ مجازاً أو حقيقةً .