السيد محمد الصدر
171
منة المنان في الدفاع عن القرآن
التعليق الثاني : أنَّ المشهور ربما يميل إلى أنَّ ( وعى ) بمعنى جمع « 1 » ، نحو قوله تعالى : وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ « 2 » أي : يجمعون . ولكن هذا منقوضٌ بالقرآن أيضاً ، فما تفسيركم لقوله تعالى : وَجَمَعَ فَأَوْعَى « 3 » فهل معناه : وجمع فجمع ؟ ! التعليق الثالث : أنَّ الراغب اعتبر الإيعاء الحفظ في الوعاء ، وقال : ( ووعى الجرح يعي وعياً جمع المدّة ) أي : اعتبره ثلاثيّ الأصل ، مع أنَّ القرآن اعتبره رباعيّاً ، أي : مزيداً ، قال : أوعى يوعي يوعون ، فيوعي أصلها ( أوعى ) وَجَمَعَ فَأَوْعَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ فكلاهما مزيدٌ ، أو قل : رباعي . ولو كان ثلاثيّاً لقال : ( يعي ) أو ( يعون ) لا أنَّه يقول : يوعون ، والظاهر أنَّه اشتباهٌ من الشيخ الراغب ، لكنّه معذورٌ من هذه الناحية ؛ لأنَّه يريد أن يرجّع المادّة المجرّدة والمزيدة إلى معنىً واحدٍ مشتركٍ ، فكأنَّما الأصل في اللغة الثلاثي ، والمزيد طارئٌ ، والثلاثي هو الأصل في المعنى وفي المبنى ، فمن هذه الجهة قد تصوّره ثلاثيّاً . ولولا هذا لقلنا : إنَّ المادّة الثلاثيّة من الوعي ، وهو الفهم ، والرباعيّة المزيدة من الوعاء ، وهو الإناء ، وذكرنا قبل قليل أنَّ أحدهما يرجع إلى الآخر ، أي : إنَّ الوعي يرجع إلى الوعاء ؛ باعتبار أنَّ الذهن وعاءٌ ، ولكنّه ليس هذا بالضرورة ، فلعلّهما موضوعان بوضعين مختلفين ، أحدهما الوعي الذهني ، أي : إنَّ أحدهما ثلاثي للفهم ، والآخر مزيد للظرفيّة ، أي : الوعاء . وفي هذه المقدّمات تكون النتيجة خلاف ارتكاز المشهور . فقوله تعالى :
--> ( 1 ) أُنظر : جامع البيان في تفسير القرآن 49 : 29 ، الجامع لأحكام القرآن 289 : 19 ، روح المعاني في تفسير القرآن العظيم 69 : 15 ، وغيرها . ( 2 ) سورة الانشقاق ، الآية : 23 . ( 3 ) سورة المعارج ، الآية : 18 .