السيد محمد الصدر

149

منة المنان في الدفاع عن القرآن

الخطوة الثانية : أنَّ هذه صورةٌ أدبيّةٌ متحرّكةٌ ، وليست ثابتةً بالترتيب فَلَا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ ؛ فإنَّ الشفق يحصل قبل حلول الظلام التامّ ، أي : أوّل الليل ، ثُمَّ يبدأ الليل الذي هو الآية الثانية ، ثُمَّ يبزغ القمر بالليل أيضاً ، فمن حيث لا يشعر الإنسان تصبح صورةً متحرّكةً ، أي : مترتّبةً ، وإلَّا كان يمكن التشويش فيها بتقديمٍ وتأخيرٍ ، إلّا أنَّه رتبّها كما خلقها جلّ جلاله . كما أنَّه اختار قافية القاف أو نسق القاف فيها جميعاً ؛ لتكون مناسبةً مع متعلّق القسم ، وهو قوله تعالى : لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ . ونسق الآيات هذه خطوةٌ أُخرى أيضاً ، ونسق الآيات واضحٌ ، وهو أنَّه يناسب مع السكون في نهايات الآيات . وأنا كثيراً ما قلت بأنَّ الإنسان إذا فكّر في هذا الأمر فالحكمة تبدو له بوضوحٍ من استحباب السكون في نهايات الآيات ؛ لأنَّه إذا حُرّكت لا يصبح نسقها لطيفاً أكيداً من قبيل قوله تعالى : فَلَا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ * وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ * وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ * لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ فعندها يفسد السّياق ، فلابدّ حينئذٍ من السكون . أمّا مادّة وَسَقَ فقد قال الراغب : الوسق جمع المتفرّق . يُقال : وسقت الشيء « 1 » إذا جمعته ، وسُمّي قدرٌ معلومٌ من الحمل كحمل البعير وسقاً ؛ وقيل : هو ستّون صاعاً . وأوسقت البعير حمّلته حِمله ، وناقةٌ واسقٌ ونوقٌ مواسيق إذا حملت . ووسقت الحنطة جعلتها وسقاً ، ووسقت العين الماء حملته ، ويقولون : لا أفعله ما وسقت عيني الماء . وقوله : وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ « 2 » قيل : وما جمع من

--> ( 1 ) جمع الشيء يُراد به أحد أمرين : إمّا كلّ وإمّا كلّي ، فالكلّ تُجمع أجزائه ، والكلّي تُجمع جزئيّاته ومصاديقه ، وهذا من الواضحات ( منه ( قدس سره ) ) . ( 2 ) سورة الانشقاق ، الآية : 17 .