السيد محمد الصدر
124
منة المنان في الدفاع عن القرآن
بصره حديداً ، أي : حادّاً ونافذاً بمعنى : أنَّه يرى ما لا يرى غيره ، وهذا ما يسمّى عادةً بعلم الباطن أو الكشف الصوري أو الكشف الحقيقي ، فكيف بالربّ جلّ جلاله ؟ فهو أبصر الباصرين وأسمع السامعين ، كما أنَّه أسرع الحاسبين مثلًا . المستوى الثاني : أنَّ مشهور المتكلّمين يفسّر ( البصير ) و ( السميع ) بمعنى العالم بالمبصرات والمسموعات ، وهذا هو المشهور في علم الكلام والفلسفة « 1 » . إلّا أن الثابت في الحكمة العليا والعرفان هو مدلول اللفظ ، أي : إنَّه بصيرٌ فعلًا وسميعٌ فعلًا ، فهذا المعنى موجودٌ في ) الأسفار ( « 2 » أيضاً . وإذا لم أكن أنا حجّةً في هذا المجال فلا أقلّ صدر المتألّهين حجّةٌ ، فالخالق ذائقٌ وشامٌّ ولامسٌ ، ولا يُقال : إنَّ ذلك يلزم منه صفة الأجسام ؛ فإنَّه تعالى لم يقل ذلك رحمةً بنا ، كما أنَّها هي الأظهر عرفاً . ف - ( سميع ) بمعنى : أنَّه يسمع ، لا أنَّه عالمٌ بالمسموعات ، وكذا البصير ، وهذا ما عليه الحدس الباطني . وأوضح دليلٍ على ذلك - على نحو الإجمال وهو دليلٌ عرفي لا دقّي - إعطاؤه السمع والبصر لجميع خلقه ، وأنَّ فاقد الشيء لا يعطيه ، وحيث إنَّه قد أعطاه إذن فهو واجدٌ له ، وهذا يشمل كلّ الكمالات النفسيّة والروحيّة والعقليّة ، كإدراك الجزئيّات والكلّيّات في العقل
--> ( 1 ) راجع رسائل ابن سينا : 251 ، المبدأ والمعاد : 144 ، الفنّ الأوّل ، المقالة الثانية ، مفاتيح الغيب : 272 ، المفتاح الخامس ، المشهد الثالث ، شرح التجريد : 32 - 33 ، المسألة الخامسة : في أنَّه تعالى سميعٌ بصيرٌ ، وغيرها . ( 2 ) أُنظر : الحكمة المتعالية في الأسفار العقليّة الأربعة 422 : 6 - 426 ، السفر الثالث ، القسم الأوّل ، الفنّ الأوّل ، الموقف السادس : في كونه تعالى سميعاً بصيراً .