السيد محمد الصدر

102

منة المنان في الدفاع عن القرآن

على الوجه ليس صحيحاً ؛ لأنَّ المفروض أنَّ الإنسان وجهه إلى الأعلى حتّى يرى جهة التكامل فيتابعها ، لا أنَّ وجهه للأسفل مشغولٌ بالملذات . وقد يُقال : إنَّنا نتصوّر أنَّ مقتضى الطبع أن يكون الوجه إلى الإمام ، فأصبح إلى الوراء في حال تغيّر حاله المعنوي إلى الأسوء ، كما في قوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ « 1 » كأن ينظر - مادّيّاً أو معنويّاً - إلى خلفه وإلى وجهه ، فكأنَّه تغيّر محلّ سيره ومن ثُمَّ اتّجه وجهه ، فيصدق أنَّه انقلب على وجهه . ومنه انقلاب الإناء أو القدر حين يكون على غير حاله الطبيعي أو المتعارف ، ومنه الانقلاب العسكري الذي يقتضي الاختلاف في النظام والقانون . ومنه : ( القلب ) وهذا اللفظ بالأصل ( مصدر ) قلب يقلب قلباً ، بمعنى : التغيّر ، وسُمّي به القلب الذي هو القلب البشري لكثرة تغيّره ، حتّى كأنَّه التغيّر نفسه ، كما تقول : زيدٌ عدلٌ ، أي كأنَّه هو العدل نفسه ، إلّا أنَّه عدلٌ مجازاً ، لكن القلب أصبح لكثرة استعماله حقيقةً في القلب الإنساني . وهذا التغيّر موجودٌ في قلب كلّ إنسانٍ ، ولكن الفرد لا يشعر به تفصيلًا ، فيزعم أنَّ قلبه ثابتٌ وراسخٌ . فإن كان صادقاً فيما يقول - إذا كان يشعر أنَّ قلبه ثابتٌ وراسخٌ - فمعناه أنَّه يحسّ بالجهة المشتركة بين مجموعة التقلّبات القلبيّة لنفسه أكثر ممّا يحسّ بتفاصيل تلك التقلّبات ، فلو أحسّ بالتفاصيل لأحسّ بكثرة التقلّبات ، ولو أحسّ بالجهة المشتركة فلا أقلّ يحسّ بالتقلّبات . ولربما يكون من نعم الله سبحانه وتعالى قلّة الإحساس بالتقلّبات ؛ لأنَّ الإنسان إذا أحسّ

--> ( 1 ) سورة محمّد ، الآية : 25 .