السيد محمد الصدر
57
منة المنان في الدفاع عن القرآن
فيكون الاستثناء حينئذٍ من الاستثناء المتّصل ، كما في قولنا : ( جاء القوم إلّا زيداً ) . والتذكير الوارد في الآية عنوانٌ عامٌّ ، أي : عامٌّ لكلّ البشر ، سواء كانوا مؤمنين أم كافرين ، ويكون التقدير حينئذٍ : فذكّر الناس جميعاً إلّا من تولّى منهم عن التذكرة وكفر ؛ إذ إنَّ تذكرته لغوٌ لا فائدة فيها ، فلا تُتعب نفسك فيما لا فائدة فيه . ثُمَّ إنَّ السيّد الطباطبائي ( قدس سره ) التفت إلى إشكالٍ وتعرّض لجوابه دون الإشارة إلى أصل الإشكال ، وهذا ما يُعرف في الاصطلاح ب - ( دفع دخل ) . ونحن سنتعرّض لذكر الإشكال مع ما أفاده ( قدس سره ) في الجواب عنه : أمّا الإشكال فهو أنَّ الكفّار ومَن تولّى من الفسقة يجب تذكيرهم ، ولا معنى لأن نهملهم ، ويؤيّد ذلك أنَّ النبي ( ص ) قد ذكّر الكفّار من قريش وسائر قبائل العرب ، فكيف يصحّ ما ذُكر من أنَّ الاستثناء متّصلٌ والمستثنى منه هم الكفّار والفسقة ؟ وقد أجاب عن ذلك السيّد الطباطبائي ( قدس سره ) بقوله : ومعلوم أنَّ التولّي والكفر إنَّما يكون بعد التذكرة ، فالمنفي بالاستثناء هو التذكرة بعد التذكرة ، كأنَّه قيل : ذكّرهم وأدم التذكرة إلّا لمن ذكّرته فتولّى عنها وكفر ، فليس عليك إدامة تذكرته ، بل أعرض عنه ، فيعذّبه الله العذاب الأكبر « 1 » . وحاصل ما أجاب به : أنَّ هذا الاستثناء من التذكرة الثانية والثالثة لا من التذكرة الأُولى ، فالمقصود ذكّر كلّ الناس واستمرّ بتذكيرهم مرّةً وثانيةً وثالثةً ، إلّا أنَّ هذه التذكيرات يختصّ بها مَن فيه أمل الهداية ، وأمّا من ليس
--> ( 1 ) الميزان في تفسير القرآن 276 : 20 ، تفسير سورة الغاشية .