السيد محمد الصدر

39

منة المنان في الدفاع عن القرآن

ويمكن أن يُقال أيضاً بالإضافة إلى ما تقدّم بأنَّ الملكوت على درجات : منها ما هو أعلى ، ومنها ما هو أدنى ، والملكوت الأعلى يمكن أن يختصّ به الأنبياء ، وأمّا الملكوت الأدنى فلجميع الناس أن ينالهوه . إلّا أنَّ ما ذكر غير وجيهٍ أيضاً ؛ لأنَّه مخالفٌ لظاهر الشريعة التي صرّحت في موارد كثيرة بأنَّ الإنسان كلّما سعى في تحصيل المقدّمات الموصلة إلى الكمال كان أعلى بصراً وبصيرةً وأسمى فهماً ، سواء كان نبيّاً أم غير نبيٍ ، نحو قوله تعالى : فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ « 1 » . ثُمَّ إنَّنا في مقام الإجابة ذكرنا عدّة وجوه ، منها ما نقلناه عن الرازي من المميّزات الخاصّة الظاهريّة والباطنيّة للإبل ، إضافةً إلى كونها من الحيوانات المتعارفة في الجزيرة العربيّة وأهمّيّتها في الحياة الاجتماعيّة والعرفيّة آنذاك غير خافيةٍ على أحدٍ منهم . ثُمَّ أشكل الرازي « 2 » على نفسه بأنَّ الحيوانات المعهودة المتعارفة آنذاك لا تختصّ بالإبل ، بل كان الفرس مثلًا له من الشهرة ما للإبل أو أكثر . وقد أجاب عن ذلك بأنَّ للجمل نقطتين من القوّة بخلاف الفرس ، وهما : الأوّل : أنَّه أنفع للناس من الخيل ؛ فالجمل يستطيع تحمّل السير لمسافاتٍ طويلةٍ أكثر من الخيل . الثانية : أنَّه أدخل في حياة الإنسان في الجاهليّة وصدر الإسلام من الفرس ، كما أنَّ عددها أكثر ، وضخامتها ملفتة للنظر وموجبة للانتباه أكثر .

--> ( 1 ) سورة ق ، الآية : 22 . ( 2 ) أُنظر : مفاتيح الغيب 144 : 31 - 145 ، تفسير سورة الغاشية .