السيد محمد الصدر

35

منة المنان في الدفاع عن القرآن

والسماء والجبال والأرض في قوله تعالى : أَفَلا يَنظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ * وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ * وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ * وَإِلَى الأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ ؟ قد يُقال : إنَّه لا يوجد في الحقيقة أيّ ارتباطٍ بينها ، إلّا أنَّه يمكن أن يُقال أيضاً : إنَّ هذه الأُمور بوصفها أفعالًا لله سبحانه ؛ لأنَّه خلقها بيده ، فله أن يختار منها ما هو أقرب إلى الحسّ والمشاهدة العرفيّة ؛ لكي يتأمّل فيها الإنسان . أو نقول : إنَّ هذه الموجودات لا خصوصيّة لها ، بل هي كسائر مخلوقات الله تعالى ، وإنَّما ذُكرت لمجرّد المثال والإشارة إلى قدرة الله تعالى . وقد أجاب الرازي عن ذلك بما محصّله : فإن قيل : أيّ مجانسةٍ بين السماء والإبل والجبال والأرض حتّى جمع بينها ؟ قلنا : لمّا وصف الله تعالى الجنّة بما وصف ، عجب من ذلك الكفّار ، فذكّرهم بعجائب صنعه . وقال قتادة : لمّا ذكر ارتفاع سرر الجنّة قالوا : كيف نصعدها ؟ فنزلت هذه الآية أَفَلا يَنظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ للنهوض بالأثقال وحملها إلى البلاد البعيدة ، وجعلت تبرك حتّى تحُمّل وتركب عن قرب ويسر ، ثُمَّ تنهض بما حملت ، فليس في الدوابّ ما يحمل عليه وهو بارك ويطيق النهوض إلّا هي ، وسخّرت لكلّ من قادها حتّى الصبي الصغير . ولمّا جعلت سفائن البّر أعطيت الصبر على احتمال العطش عشرة أيّام فصاعداً ، وجعلت ترعى كلّ نباتٍ في البراري ممّا لا يرعاه سائر البهائم . ثُمَّ قال : وإنَّما لم يذكر الفيل والزرافة وغيرهما ممّا هو أعظم من الجمل ؛ لأنَّ العرب لم يروا شيئاً من ذلك ، ولا كانوا يعرفونه « 1 » .

--> ( 1 ) أُنظر : مفاتيح الغيب 144 : 31 ، تفسير سورة الغاشية ، زاد المسير في علم التفسير 436 : 4 ، تفسير سورة الغاشية ، ولباب التأويل في معاني التنزيل 421 : 4 ، تفسير سورة الغاشية .