السيد محمد الصدر
77
منة المنان في الدفاع عن القرآن
تعالى : مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الآخِرَةَ « 1 » وقوله : وَاللَّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ « 2 » . والآخرة بهذا المعنى - على كلّ المستويات - خيرٌ من الدنيا لكلّ أحدٍ . غاية الأمر أنَّ هناك من يستحقّها وهناك من لا يستحقّها ، والكلّ مكلّفٌ أن يجعل نفسه ممّن يستحقّها . و ( خير ) هنا بمعنى أفعل التفضيل ، وهو صريحٌ في ذلك ، ولكنّه من الصفات التي لا تصاغ لفظيّاً منه ، فلا يقال : ( أخير ) . سؤال : كيف كانت الآخرة خيراً من الدنيا ، مع أنَّ الدنيا دار أنبيائه وكتبه وهدايته ورحمته وعطائه ، وكلّ ذلك مقطوعٌ في الآخرة ؛ فإنَّه هناك حسابٌ ولا عملٌ ، فإذا انقطع العمل انقطع العطاء ، فدار العطاء خيرٌ من دار لا عطاء فيها ؟ والجواب : أنَّ للآخرة عدّة مستويات بعضها أحسن من بعض : الأوّل : أن يكون المراد نفس العمل الصالح ؛ لأنَّه من الآخرة ، كما ورد عنهم ( عليهم السلام ) من أنَّ إنفاق المال في الصدقة والحجّ من الآخرة لا من الدنيا . الثاني : أن يكون المراد الحياة المعنويّة والعطاء المعنوي الموجود في الدنيا ؛ فإنَّه من الآخرة لا من الدنيا . الثالث : أن يكون المراد الحساب في يوم القيامة . الرابع : أن يكون المراد جهنّم . فإن كان ذلك مقدّمة للدخول إلى الجنّة فهي من الرحمة ، وإن كره الفرد . أو كان معانداً لا يستحقّ الجنّة فهذه جنايته ، ولا يكون خارجاً بالدليل .
--> ( 1 ) سورة آل عمران ، الآية : 152 . ( 2 ) سورة الأنفال ، الآية : 67 .