السيد محمد الصدر

371

منة المنان في الدفاع عن القرآن

المناطقة ، فلا يتصوّر العرف أنَّ للعقل حركةً وسكوناً ، مع أنَّ الحركة ما يكون بالمقدّمات والسكون بالنتيجة ، فالإنسان يطمئنّ ويفرح حينما يحلّ مجهولًا ويصل إلى المعلوم فيه . ولكن اطمئنان النفس اللاهوتيّة موجودٌ بعنوان النفس التي هي من أمر الله أو أيّ شيء آخر يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ ؛ لأنَّ أحد اصطلاحات النفس هو كيان الإنسان الروحي أو المعنوي برمّته ، إذن النفس المطمئنة تمثّل أحد مراتب الكيان الروحي بمعنى : أحد مراتب النفس التي ترجع إلى بارئها جلّ جلاله بأيّ معنىً من معاني الرجوع . وبات واضحاً أنَّ هذا الاطمئنان الموجود في النفس حصّةٌ من حصص الاطمئنان ، فحصّةٌ ترتبط بالعقل ، وحصّةٌ ترتبط بالنفس الأمّارة بالسوء ، وحصّةٌ ترتبط بالروح العليا اللاهوتيّة . وهناك سؤالٌ يستدعي أن نقف عنده ، وهو سرّ الاطمئنان الذي تتوفّر عليه النفس ، وهل هناك فرقٌ في كونها ترجع وهي مطمئنّةٌ أو غير مطمئنةٍ ؟ ففي كلّ الأحوال ترجع إلى ربّها . وفي جواب ذلك عدّة أُطروحاتٍ : الأُولى : ما ذكره الراغب « 1 » من : أنَّ اطمئنانها يعني : أنَّها لا تغدو أمّارةً بالسوء ، بعد أن كانت كذلك ، فتظلّ تأمر العبد بالطاعات والصلاح ، فعندما ترغب نفسه في صلاة الليل فإنَّ تلك الرغبة ناتجةٌ عن قناعةٍ حقيقيّةٍ في أنَّ هذا هو الأصلح لها وأنَّ الدنيا ليست بأصلح ، فهي تريد الآخرة ، وتأمر صاحبها بصلاة الليل ، كما كانت تأمره بشرب الخمر مثلًا .

--> ( 1 ) أُنظر : مفردات ألفاظ القرآن : 317 ، مادّة ( طمن ) .