السيد محمد الصدر

369

منة المنان في الدفاع عن القرآن

وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا « 1 » . واطمئنّ وتطامن يتقاربان لفظاً ومعنىً « 2 » . أقول : الاطمئنان هو السكون ، والمطمئنّ هو الساكن في مقابل المتحرّك ، فالساكن ضدّ المتحرك ، والساكن والمطمئن لفظان مترادفان ، وحينئذٍ نقول : إنَّ للإنسان عدّة وجوداتٍ أو ملكاتٍ أو عوالم كلّها متحقّقةٌ فعلًا ، فجسمه متحقّقٌ ، وعقله متحقّقٌ ، ونفسه متحقّقةٌ ، ولكلّ وجودٍ من هذه الوجودات حركةٌ وسكونٌ ، غاية الأمر أنَّ الحركة مادّيّةٌ ، ومقابلها سكونٌ مادّي . ولا يُقال عادةً في اللغة : إنَّ هذا الحجر مطمئنٌ للدلالة على سكونه وثباته ، بدعوى أنَّ الاطمئنان مرادفٌ للسكون . ولا يُقال أيضاً : إنَّ الجسم الإنساني أو الحيواني مطمئّنٌ من حيث كونه مادّةً ، ويُشار بذلك إلى سكونه وثباته ؛ بل اللغة والعرف يستعملان الاطمئنان في السكون المعنوي ، وليس في السكون المادّي ؛ لأنَّ كلّ العوالم التي ذكرتها لها حركةٌ ، فالنفس مثلًا لها حركة ، ولكنّها ليست مادّيّةً ، وإنَّما حركةٌ على مستوى عالمها الخاصّ من قبيل الرغبات والشكوك التي تعمل في النفس . والقلب له حركةٌ كدرجات الحبّ والبغض ونحو ذلك ، والقلب إنَّما هو بيت العواطف . والعقل كذلك له حركةٌ ، فهو يتحرّك من المجهول إلى المعلوم ، وكما في علم المنطق فإنَّ للعقل حركةً ، وهذه واحدةٌ من حركاته . والروح اللاهوتيّة لها حركةٌ بشكلٍ لا نفهمه ولا نعلمه ، وهي من الأسرار الخفيّة . والشاهد : أنَّ لكلّ حركةٍ في أيٍّ من هذه العوالم سكوناً يُنتج الاطمئنان والاستقرار والهدوء ؛ لأنَّ الحركة تمثّل التعب والانزعاج والصعوبة . ولذا

--> ( 1 ) سورة يونس ، الآية : 7 . ( 2 ) مفردات ألفاظ القرآن : 317 ، مادّة ( طمن ) .