السيد محمد الصدر
310
منة المنان في الدفاع عن القرآن
مباينٍ لما سبق بمعنىً من المعاني ، وإذا كان مبايناً لما سبق ، فلا يمكن حينئذٍ الاحتجاج بالقرينة المذكورة . فإن قيل : إنَّنا نجد في نفس الآيتين قرينةً على سوء المقصد ، كما إذا أخذنا بنظر الاعتبار الابتلاء المتكرّر في الآيتين في قوله : إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وقوله : إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ والابتلاء إنَّما يكون في المستويات المتدنّية من البشر القابلة للتربية والتكامل القليل ، فكأنَّه قال : إنَّ هذا الفرد لم ينجح في البلاء ، بل فشل ؛ حيث ابتلاه ربّه ، ومع ذلك قال : رَبِّي أَكْرَمَنِ أي : تكبّر بنعمة ربّه ، كما فشل في الابتلاء في تقتير الرزق فقال : رَبِّي أَهَانَنِ ، فنفهم من الابتلاء هذا المعنى المستفاد من ظاهر العبارة . والجواب عنه : أنَّ هذا المعنى لا يستقيم أيضاً ؛ لأنَّنا إذا فهمنا من قوله : رَبِّي أَكْرَمَنِ ورَبِّي أَهَانَنِ سوء المقصد ، فمعنى ذلك هو الفشل في الابتلاء ، وإذا فهمنا حسن المقصد فمعناه النجاح في الابتلاء ، فليس هناك مرجّحٌ لأن نفهم من الابتلاء سوء المقصد ، بل يمكن أن نفهم أنَّ الأخير يكون قرينةً على الأوّل ، لا أنَّ الأوّل قرينةٌ على الأخير . والابتلاء قابلٌ للنجاح والفشل ، ومن قال : إنَّهم فشلوا ، ليتعيّن أن نفهم أنَّ النتيجة هي الفشل ؟ فلربما كانت النتيجة هي النجاح ، فإذا دخل الاحتمال بطل الاستدلال ، أي : الاستدلال بقرينيّة البلاء على أنَّ المقصود ما هو السيّئ من قوله : رَبِّي أَكْرَمَنِ ورَبِّي أَهَانَنِ . والظاهر من الألف واللام في ( الإنسان ) الجنسيّة لا العهديّة ، إذن فظاهر مدخولها مطلق الإنسان لا الإنسان المطلق ، مع أنَّ ظواهر القرآن حجّةٌ . فتحصّل حينئذٍ - إضافة إلى ما تقدّم - : أنَّ مطلق الإنسان لا يمكن أن نحمله على الصحّة ؛ لأنَّ الأعمّ الأغلب يُحملون على سوء المقصد ، ومقاصدهم سوءٌ فعلًا ، فإذن يحمل قوله : رَبِّي أَكْرَمَنِ