السيد محمد الصدر
308
منة المنان في الدفاع عن القرآن
دنيويّاً وأُخرويّاً ؛ لأنَّنا إذا نظرنا نظرةً دنيويّةً صرفةً ، فالإكرام والإنعام بزيادة الثروة والصحّة والشهرة ونحو ذلك من الأُمور ، والتقدير خلاف الإكرام والإنعام دنيويّاً . أمّا إذا نظرنا نظرةً أُخرويّةً فالإكرام والإنعام بمعنى زيادة العطاء المعنوي ، والتقدير خلافه . وممّا ينبغي الإشارة إليه : أنَّ تقتير أيٍّ من الرزقين لا يضرّ بالعالم الآخر ؛ فتقتير الرزق الدنيوي لا يعني عدم الإكرام الأُخروي ، كما لا يفيد تقتير الرزق الأُخروي عدم الإكرام الدنيوي . وإنَّما الأمر مرتبطٌ بالعالم الذي نتكلّم عنه ، فسعة الرزق أحسن من تقتيرها في عالم الدنيا ، وسعة الرزق أيضاً أفضل وأحسن من تقتيرها في عالم الآخرة ، ولا تأثير لتقتير أحد العالمين على الآخر ، وهو واضحٌ ، كما أنَّ تقتير الدنيا ينفع في الآخرة ولا يضرّ . ومن إكرام الله للأنبياء ( عليهم السلام ) لا سيّما سيّدهم وخاتمهم النبي محمّد ( ص ) وأهل بيته ( عليهم السلام ) أنَّه يزيد عليهم البلاء من أجل أن يرفع درجاتهم ومقاماتهم ، فتقتير الدنيا إذن إكرامٌ ، فإذا أراد الله أن يُكرم فرداً في الآخرة ، قتّر عليه رزقه في الدنيا . إلّا أنَّ ذلك خلاف وحدة السياق ، فحينئذٍ لحاظ وحدة العالم أمرٌ ضروري ، أي : إمّا أن نلحظ الأمرين في الدنيا ، وإمّا أن نلحظهما في الآخرة . وأمّا إذا لاحظنا أنَّ واحداً هنا وآخر هناك فهو كما قلنا يؤدّي إلى اختلال السياق . وبالرجوع إلى الكلام السابق نقول : إن قلت : إنَّ السياق اللاحق لهاتين الآيتين يدلّ على أنَّ المراد من قوله : رَبِّي أَكْرَمَنِ ورَبِّي أَهَانَنِ القصد السيّئ لا القصد الحسن ؛ بقرينة قوله تعالى بعد ذلك : كَلَّا بَل لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ * وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ . . . « 1 » ، وهذا السياق يتحدّث عن أُناسٍ مذنبين إلى
--> ( 1 ) سورة الفجر ، الآيتان : 17 - 18 .