السيد محمد الصدر

299

منة المنان في الدفاع عن القرآن

لأنَّه بالمرصاد ، فصبّ عليهم سوط عذابٍ . وسبب هذا الصبّ أنَّه كان متقصّداً لأن يعذّبهم إذا أذنبوا وأساؤوا ، وقد عذّبهم بالفعل ؛ إذ قال : فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ * إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ . فالمرصاد علّةٌ ، وسوط العذاب معلولٌ ، والمسألة متحقّقةٌ في الماضي . وعليه فكان الأنسب بحسب إدراكنا أن يقول : ( كان ربّك بالمرصاد ) ؛ لأنَّ القضيّة وقعت في الماضي ، وهي قديمةٌ جدّاً ، فماذا نقول في الآية ؟ قلنا : إنَّ الله دائماً بالمرصاد ، وللمذنبين بالمرصاد ؛ لأنَّ أحد أسمائه المنتقم ، وهو ينطبق على ذلك تماماً ، فكلّ من عادى الله ، فالله يعاديه ، وهو دائماً بالمرصاد ، وهذا هو المقصود من قوله : إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ ، أي : دائماً في الماضي والحاضر والمستقبل . وإسقاط الزمان عن هذا الاعتبار إنَّما هو للتخويف ؛ لأنَّه يريد أن يخوّفنا أيضاً ، ولا يقتصر التخويف على الهالكين من عاد وثمود وفرعون ؛ إذ قد يُقال : إنَّه لا ملازمة بين عقاب عادٍ وعقابنا . نقول : كلّا ، الملازمة موجودةٌ ؛ لأنَّ ربّك بالمرصاد دائماً ، وإنَّما ذكر عاداً وثمود وفرعون لمجرّد المثال ، أي : إنَّهم رغم سلطتهم وسيطرتهم وأموالهم أهلكناهم وبادوا ، ولم يبقَ لهم أثر ، فكيف بي وأنا الضعيف الذليل الحقير المسكين المستكين وأنا فردٌ واحدٌ لا أملك لنفسي نفعاً ولا موتاً ولا حياة ولا نشوراً ، فأنا أُسحق كما سُحق غيري وينتهي الأمر . فيكون الحال : أنّ ربّك لبالمرصاد في الماضي والحاضر والمستقبل ، وسيبقى كذلك ما دام التكليف موجوداً لجميع المخلوقين . لا أقول : ما دامت البشريّة ، بل أقول : ما دام الخلق موجوداً . فإن قلت : إنَّ العذاب الذي وقع على عادٍ وثمود وفرعون إنَّما صبّ