السيد محمد الصدر
280
منة المنان في الدفاع عن القرآن
القبيلة فلا يكون سبب العذاب مبيّناً في الآية ؛ لأنَّ إرم تكون قبيلةً حينئذٍ لم يُخلق مثلها في البلاد ، أي : لم يُخلق مثل صفاتهم من الشجاعة أو القوّة أو الطول أو أيّ شيءٍ آخر ، وينبغي أن نفهم هذا التسلسل من زاوية فهم المشهور ، أي : إرم المدينة لا القبيلة . وأمّا ثمود فهم جابوا الصخر بالواد ، وهذا يقتضي بحسب القرائن السابقة أنَّها هي جريمتهم أو ذنبهم الذي نزل عليهم العذاب بسببه ، فجابوا الصخر بالواد ، ولم يتوبوا من ذلك . أمّا لماذا أصبحت هذه جريمتهم ؟ هل لظلم الناس أو قتلهم ؟ فهذا مسكوتٌ عنه في الآية ؛ لأنَّه ذُكر مجملًا جدّاً ، ونستطيع القول : إنَّ السياق يدلّ فقط على الجريمة . وأمّا فرعون فجريمته مصرّحٌ بها في الآية ، وهي قوله تعالى : الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ * فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ وبهذا نفهم ما قلناه سابقاً من أنَّه لا حاجة إلى التماثل بين ضميري الجمع في قوله : أَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ أي : فرعون وفي قوله : فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ الذي يعود على الجميع ، أي : عادٍ وثمود وفرعون . ثُمَّ قال : إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ أي : إنَّ قوّة الحضارة وجبروتها وترسّخها في الأذهان وبقائها جيلًا بعد جيلٍ مدّةً طويلةً من الزمن لا يعني أنَّها لا تبيد ولا تفنى ، وإنَّما كلّ حضارةٍ هي كعمر إنسانٍ يولد ثُمَّ يكبر ثُمَّ يشيب ثُمَّ يهرم ثُمَّ يموت ، وكذلك البشريّة عموماً تمرّ بهذه المراحل أيضاً . فتكون قوّة هذه الحضارات مهما بلغت كالقشّة أمام قوّة الله سبحانه وتعالى . فإن قلت : إنَّ عاداً وثمود وفرعون وخاصّته بعد أن فهمنا أنَّهم قبائل وأُسر وأجيال لم ينزل العذاب عليهم جميعاً ، وإنَّما نزل مرّةً واحدةً ، فعادٌ نزل عليهم العذاب مرّةً واحدةً ، وكذلك ثمود وفرعون ، فمن هذه الناحية تكون