السيد محمد الصدر

268

منة المنان في الدفاع عن القرآن

قد عبدوا صنماً واحداً فلا يمكن أن نسمّي ذلك توحيداً ، وإن كان ذلك أفضل من عبادة الأصنام المتعدّدة ؛ من جهة التوجّه إلى أنَّ علّة الكون واحدةٌ لا متعدّدةٌ . فإن قلت : إنَّ السيّد الطباطبائي ( قدس سره ) فهم من ( طغوا ) أُطروحةً ثانيةً غير ما قلناه سابقاً ؛ إذ ذكرنا أنَّ الطاغين إمّا هم ملوك الفراعنة بمجموع أشخاصهم ، وأمّا من عاونهم من شعوبهم . أفاد السيّد الطباطبائي ( قدس سره ) : أنَّ ضمير الجماعة في ( طغوا ) يعود إلى كلٍّ من عادٍ وثمود وفرعون ، والثلاثة جمعٌ ، فيعود عليهم الضمير ، فهم طغوا في البلاد « 1 » . قلنا : هذا الفهم لا بأس به وجزاه الله خيراً عليه ، لكنّه قابلٌ للمناقشة من أكثر من وجهٍ : الوجه الأوّل : أنَّ ( عاد ) لم نفهم منه معنىً جزئيّاً ، وكذلك ثمود وفرعون ، بل كلّ واحدٍ جمعٌ برأسه ، فثمود قبيلةٌ مع ملوكها ، وكذلك عاد وفرعون ، كما تقدّم بيانه ، فلا حاجة إلى أن نبحث عن ثلاثة أشخاصٍ ونعيد الضمير إليهم جمعاً ، ولم يكن مقصود القرآن هكذا . الوجه الثاني : وهو مطلبٌ وجيهٌ في حدود فهمي ؛ لأنَّي لا أقول : إنَّي أُعطي الجزميّات بالنسبة إلى فهم القرآن ؛ حتّى لا أكون ممّن فسّر القرآن برأيه ، بل هو أُطروحةٌ معتدٌّ بها . وهي أن نقول : إنَّ الآية لم تذكر لعادٍ وثمود مساوئ ، وإنَّما قوله : طَغَوْا فِي الْبِلَادِ * فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ جاء بعد ذكر فرعون ، والقدر المتيقّن الذي تتمّ به العبارة هو عوده إلى فرعون ، وأمّا عوده

--> ( 1 ) أُنظر : الميزان في تفسير القرآن 281 : 20 ، تفسير سورة ا لفجر .