السيد محمد الصدر
191
منة المنان في الدفاع عن القرآن
ما لا يقبله المشهور . وإنَّما نطرح هنا أُطروحةٌ لغويّةٌ فنقول : إنَّ الكبد أصله العضو في الإنسان كالقلب والرئتين . وقد يحلّ محلّ القلب نفسه للخلط بينهما عرفاً ، فيقال : أنت قلبي ، كما يقال : أنت كبدي . وهذا العضو العرفي هو موطن العواطف من الحبّ والبغض والكره والراحة والتعب . وحيث إنَّ الأعمّ الأغلب في الدنيا هي تعبٌ ، والتعب ينتج سرعة وفاة القلب ، إذن يتصوّر العرف أنَّ القلب هو الذي يتعب أو يتجلّى التعب فيه قبل غيره . فإذا خلط العرف بين القلب والكبد قال : إنَّ الكبد هو الذي يتعب ، فصفته الغالبة من الدنيا هي التعب . ومن هنا قيل : يكابد أي : يتحمّل صعوبةً شديدةً من بلاء دنيوي : كالمرض أو الفقر أو سوء أخلاق بعض أسرته أو غير ذلك . وقد أصبح مشتقّاً ، كابد يكابد مكابدة ، مع أنَّ الكبد اسمٌ جامدٌ . فنقول : إنَّ المعنى : لقد خلقنا الإنسان في مكابدةٍ ناتجةٍ من البلاء . ولكن لماذا استعمل كبد بدل المكابدة ؟ ويمكن الجواب عنه : أوّلًا : أنَّ كلّا منهما مصدرٌ . وثانياً : أنَّه وإن كان اسم ذاتٍ ، إلّا أنَّه أولى بالذكر ؛ لأنَّه الأصل في إدراك المكابدة والإحساس بها ، والمكابدة قد تحصل وقد لا تحصل ، مع أنَّ الكبد مستمرٌّ دائماً . إلّا أنَّ هذا الوجه وإن كان مشهوراً بالنتيجة ، إلّا أنَّه يجعل الظرفيّة ( في ) مجازاً ، كما هو ظاهرٌ ، وفيه تكثيرٌ لظاهرة المكابدة والتعب ، وهذا حسنٌ ، إلّا أنَّ المجاز خلاف الأصل وخلاف الظاهر ، كما أنَّ حمل الكبد على معناه الأصلي