السيد محمد الصدر
140
منة المنان في الدفاع عن القرآن
أقول : هذا يختلف باختلاف فهم المستثنى منه ، وهو النعمة : فإن أُريد منها النعمة المعطاة من الفرد كان كما يقول . وإن كان قد يورد عليه أنَّ الثواب من سنخ النعمة أيضاً . وإن كان المراد الجزاء كما هو ظاهره - يعني : النعمة من غير الفرد جزاءً له - فهو متّصلٌ ، يعني : لا يتوقّع أيّ نعمةٍ إلّا نعمة الله تعالى التي لا تحصل إلّا بابتغاء وجه ربّه . أو يقال بأنَّ الابتغاء نعمةٌ ومصداقٌ لها بالحمل الشائع ، ثُمَّ يأتي قوله : وَلَسَوْفَ يَرْضَى يعني : الوعد بوصول هذه النعمة . ومن الطريف أنَّ الظاهر أنَّه استثناءٌ من الجملة الأسبق عليه ، وهي قوله : يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى ؛ لأنَّه فعل الطاعة ، وقد قدّر أنَّ فعل ذلك ابتغاء وجه ربّه . ولو أراد الجملة الأخيرة لما صحّ تقدير الفعل . إلّا أن يفهم من النعمة ما هو صادرٌ من المكلّف بالفعل ، فيكون الاستثناء متّصلًا مع تقدير الفعل ؛ لأنَّهما معاً على معنى الفعل . * * * * قوله تعالى : وَلَسَوْفَ يَرْضَى : فاعل ( يرضى ) قد يرجع إلى الأتقى ، وقد يرجع إلى الله ، يعني : يرضى الله عنه ، كما هو مفاد قوله تعالى : رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ « 1 » . إلّا أنَّ هذا لا يتمّ ؛ لأنَّه يقول : لَسَوْفَ وهو للمستقبل البعيد ، مع أنَّ رضا الله قريبٌ ؛ لأنَّه سريع الرضا . فإن قيل : فإنَّ عطاء الله المعنوي قريبٌ أيضاً ويحصل في الدنيا ، فلماذا قال : ( سوف ) ؟
--> ( 1 ) سورة البيّنة ، الآية : 8 .