السيد محمد الصدر

104

منة المنان في الدفاع عن القرآن

يَغْشَى « 1 » وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ « 2 » . وغشيت موضع كذا أتيته ، وكنّي بذلك عن الجماع ( نحو أتاها ) يُقال : غشّاها وتغشّاها فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ « 3 » ، وكذا الغشيان . والغاشية كلّ ما يغطّي الشيء كغاشية السرج . وقوله : أَنْ تَأْتِيَهُمْ غَاشِيَةٌ « 4 » أي : نائبة تغشاهم وتجلّلهم « 5 » ، يعني : من بلاء الدنيا . فتبيّن أن ل - ( يغشى ) معاني عدّة : الأوّل : أنَّه - أي : الليل - يغطّي الموجودات الأرضيّة . الثاني : أنَّه بمعنى : يحضر ويحصل . الثالث : أنَّ الملحوظ فيه السعة والهيمنة على منفعةٍ ضخمةٍ جدّاً خارج التصوّر ، كما أنَّ الملحوظ في ( سجى ) هو السكون والهدوء ، والملحوظ هنا أنَّ الفاعل هو الليل نفسه لا الحقّ تعالى . * * * * قوله تعالى : وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى : النهار من طلوع الشمس إلى غروبها ، ونهار الصوم من الفجر ، وبمقداره أُعطي الليل من معنى ، فغطّى النهار أيضاً . ولا يمكن هنا استعمال ( يغشى ) ؛ لأنَّ النهار لا يغطّي ولا يستر ، وإنَّما يكشف بنوره عن الأشياء . وأمّا ( تجلّى ) فقد قال في ( المفردات ) : أصل الجلو الكشف الظاهر . يقال : أجليت القوم عن منازلهم فجلوا عنها ، أي : أبرزتهم عنها ( إذا برزت المنازل

--> ( 1 ) سورة النجم ، الآية : 16 . ( 2 ) سورة الأنفال ، الآية : 11 . ( 3 ) سورة الأعراف ، الآية : 189 . ( 4 ) سورة يوسف ، الآية : 107 . ( 5 ) مفردات ألفاظ القرآن : 373 ، مادّة ( غشي ) .