السيد محمد الصدر
392
منة المنان في الدفاع عن القرآن
وكلا الأُطروحتين الأخيرتين قابلةٌ للمناقشة : أمّا الأوّل فلأنَّه لا يصحُّ مفعولًا مطلقاً إلّا بتقدير أمرٍ قبله ، أي : اضبحي ضبحاً ، وهو هنا ممّا لا يصحُّ ؛ لأنَّه منافٍ للقسم ، فلو صدق للزم إلغاء القسم . وإنّما قد يصحُّ إذا كان على نحو النداء ، يعني : يا أيّها العاديات ، اضبحي ضبحاً . وأمّا الثاني فلأنَّه يلزم منه التكرار بالمعنى ؛ لأنَّ العاديات بمعنى الراكضات ، فيكون معنى الركض مأخوذاً في كلا اللفظتين : العاديات وضبحاً ، وهو خلاف الظاهر ؛ فإنَّ المفروض تعدّد المعنى ، كما لو فهمنا من الضبح الرطوبة الخارجة من فم الفرس ، فيكون حالًا أو في موضع الحال ، كما قال العكبري . إلّا أنَّ هذه الكبرى غير تامّة ؛ لأنَّ التكرار وإن كان غالباً سمجاً ، ولكن مع ذلك قد يكون صحيحاً ، كما في المفعول المطلق ، فيكون احتمال كونه مفعولًا مطلقاً باقياً إلى هذا الحدِّ من التفكير . ثُمَّ إنَّ معنى الآية الكريمة ( العاديات تضبح ضبحاً ) له نحوٌ من الحثِّ السياقي ، وإن لم يكن أمراً مقدّراً ، فكأنَّه تشجيعٌ على العدو والضبح ، فله إفادة الأمر ، وإن لم يكن أمراً . إن قلت : أمرُ العاديات بأن تعدو هو من تحصيل الحاصل ، وهو لغوٌ أو مستحيل . قلت : جوابه من عدّة وجوه : الوجه الأوّل : أن نفسّر الضبح بغير العدو ، وهو الركض ، بل نفسّره بأنفاس الفرس أو برطوبة فَمِها ، فينسدّ السؤال . الوجه الثاني : أن نقول : إنَّه أمرٌ بزيادة العدو وسرعته ، بحيث يكون