السيد محمد الصدر

363

منة المنان في الدفاع عن القرآن

أقول : الموازين لها قسطٌ من الحديث في علم الفلسفة وعلم الكلام ، وينبغي أن نحمل فكرةً عنه ، ثُمَّ نطبّقه على القرآن الكريم . قال المشهور : إنَّ الصحيح هو البعث المادّيِّ لا المعنويِّ ، وإن الإنسان يحيا في يوم القيامة كما يحيا في الدنيا ونحو ذلك . ويستنتج من ذلك : أنَّ وزن الأعمال التي صرّحت به الشريعة المقدّسة موجود ، وهو يناسب المعاد الجسماني أو المادّي . ومن هنا قالوا : إنَّ هناك ميزاناً توزن به أعمال الأفراد ، فإذا رجحت الحسنات على السيئات دخل الجنّة ، وإذا رجحت السيّئات دخل النار ، ولعلَّ هذا هو المراد من قوله : ( خفَّتْ موازينه ) و ( ثقلت موازينه ) . ولكن ينبغي أن نلتفت إلى بعض الإشكالات التي ترد على الميزان المادّي الذي عليه المتشرعة ؛ لأنَّ الذي في أذهانهم من الربط بين المعاد الجسماني والوزن المادّي ليس بصحيح ، بل يمكن أن نقول بالمعاد الجسماني ، ومع ذلك نقول بأنَّ الوزن ليس مادّيّاً بل معنويّاً ، وهو قواعد العدل الكلّيّة عند الله تعالى ، ولا دليل على الربط المزبور . فإن قلتَ : فإنَّ ما ورد في الكتاب والسنّة من ألفاظ الميزان ظاهره الميزان المادّيّ ؛ لأنَّه تعالى خاطبنا باللغة العرفيّة ، وهو كذلك عرفاً . قلنا : إنَّ ما يستحيل الأخذ به من الظواهر لابدّ من المصير إلى تأويله ، كما هو الحال في كثير من آيات القرآن الحكيم ، كقوله تعالى : يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ « 1 » وقوله تعالى : عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى « 2 » وقوله تعالى : وَسِعَ كُرْسِيُّهُ

--> ( 1 ) سورة الفتح ، الآية : 10 . ( 2 ) سورة طه ، الآية : 5 .