السيد محمد الصدر

283

منة المنان في الدفاع عن القرآن

الموضعين وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ ، وهو القرينة المتّصلة على كونه كذلك ، وهذا الوجه أكثر وضوحاً ممّا قاله الراغب . وأضاف الراغب : ورجلٌ لمّاز ولُمزة كثير اللّمز . قال تعالى : وَيْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ . أقول : إنّنا بعد أن اطّلعنا على المعاني اللغويّة لكلٍّ منهما ، يظهر أنَّ كليهما بمعنى الاغتياب ، أو قل : مطلق الأذيّة ، فيكونان كالمترادفين ، وربّما يرجّح أنَّ اللّمزة اتّباعٌ ، ولا يُراد بها معنى مستقلّ عن الهمزة . ولكن - مع ذلك - يمكن تقديم عدّة أُطروحات محتملة للاختلاف ، وخاصّةً إذا قلنا : إنَّ الظهور في الاختلاف ثابتٌ فيهما حسب قاعدة : إذا اجتمعا افترقا . الأُطروحة الأُولى : أنَّ الهمز في الغياب ، واللمز في الحضور ، كما تدلُّ عليه بعض الآيات . قال تعالى : الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ « 1 » وقال وَمِنْهُم مَّن يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ « 2 » . وكلاهما واضح في الحضور . الأُطروحة الثانية : أنَّ الهمز مطلق الأذيّة والاغتياب ، بأيّ سببٍ كان ، واللّمز الأذيّة في محلٍّ معيّن والطلب غير المناسب وعلى خلاف الحكمة ، كما أشارت إليه الآيتان الأخيرتان ، بحيث يكون نوعاً من الإزعاج . ونلاحظ : أنَّ اللّمز لم يُنسب إلى الشياطين ، بخلاف الهمز ؛ فإنَّه نُسب إليهم ، وهو دليل الاختلاف . ولا يقال : إنَّه تعالى اختار ذلك ، فلا يكون دليلًا على الاختلاف .

--> ( 1 ) سورة التوبة ، الآية : 79 . ( 2 ) سورة التوبة ، الآية : 58 .