السيد محمد الصدر

175

منة المنان في الدفاع عن القرآن

أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُاْ اللّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنجَيْتَنَا مِنْ هَ - ذِهِ لَنَكُونَنِّ مِنَ الشَّاكِرِينَ * فَلَمَّا أَنجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنفُسِكُم « 1 » . وهكذا حال النفس الأمّارة بالسوء : لا تذكر الله إلّا في البلاء . وأمّا في الرخاء فهي لا تعرفه ، والنصر والفتح نحوٌ من البلاء ، فلابدَّ من التسبيح والحمد والذكر ؛ دفعاً لسوء النفس الأمّارة ، ولأنَّها عطاءٌ مباشرٌ من الله سبحانه وفضلٌ منه ونعمة . الوجه الثاني : ليس المراد إيجاد أصل التسبيح والاستغفار ؛ لكونه موجوداً حتماً لدى المؤمن ، وإنّما المراد زيادته ، وإنّما عبَّر بذلك لأنَّه ينبغي الزيادة في ذلك ، بحيث يكون السابق عليها ملحقاً بالعدم ، فكأنَّه لم يكن يستغفر أصلًا . الشكل الثاني : لماذا التسبيح والاستغفار مع العلم أنَّ المحلّ محلّ الشكر على النعمة ؟ جوابه لأكثر من وجهٍ واحدٍ : أوّلًا : ما ذكره الرازي في هامش العكبري : قال : قال ابن عبّاس ( رض ) : لمَّا نزلت هذه السورة علم النبي ( ص ) أنَّه نُعيت إليه نفسه . وقال الحسن : أُعلم النبي ( ص ) أنَّه قد اقترب أجله ، فأُمرَ بالتسبيح والاستغفار والتوبة ؛ ليُختم له في آخر عمره بالزيادة في العمل الصالح ، فكان يكثر من قوله : ( سبحانك اللّهمّ ، اغفر لي ؛ إنّك أنت التوّاب الرحيم ) . وعن ابن مسعود ( رض ) : إنَّ هذه السورة تسمّى سورة التوديع . وروي أنَّ النبي ( ص ) عاش بعد نزولها سنتين « 2 » .

--> ( 1 ) سورة يونس ، الآيتان : 22 - 23 . ( 2 ) أُنموذج جليل : 598 ، سورة النصر .