محمد جواد مغنية
99
معالم الفلسفة الإسلامية ( نظرات في التصوف والكرامات )
يتخذ من النظر إلى الوجود نفسه برهانا على وجوب الواجب بذاته بصرف النظر عن العالم المشاهد . 2 - سلك المتكلمون سبيلا آخر . قالوا : العالم حادث ، كما قدمنا ، وكل حادث لا بد له من موجد ، فإن كان الموجد قديما ثبت المطلوب لأن القديم هو واجب الوجود ؛ وان كان حادثا تسلسل أو دار . ويرجع هذا الدليل في جوهره إلى الدليل السابق . 3 - ان في الكون تدبيرا ونظاما ، وهما يدلان على وجود المنظم والمدبر ، تماما كما تدل الكتابة على الكاتب ، والكلام على المتكلم . ومرة ثانية نقول : انه لو لم يوجد واجب لذاته يكون العلة الأولى لجميع الموجودات لما وجد شيء ابدا ، إذ لو فرض ان كل موجود لا بد له من علة توجده ، وان العلة التي لا علة لها منتفية ، لا وجود لها بالمرة - تكون النتيجة المنطقية انه لا شيء موجود أبدا ، وان كل شيء منتف لانتفاء علته ، مع اني أنا وأنت وغيرنا - أيها القارئ - لنا وجود بالضرورة والعيان ، فإذن العلة الأولى التي وجدت بذاتها ، ومن غير موجد موجودة بالضرورة . وقد اعتمد هذا الدليل أهل المعقول والمنقول منذ عهد أرسطو حتى اليوم ، وما استطاع أحد أن يأتي ضده بشبهة معقولة ، أو كلمة مقبولة . وقال قائل : ان الأشياء الجزئية تحتاج إلى سبب يوجدها ، أما الحدث الكلي ، أما الكون فإنه لا يحتاج إلى سبب ، لأنه سبب بذاته . ونقول في جوابه : أولا : إن الكلي هو عين جزئياته وأفراده ، فإذا احتاج كل فرد إلى سبب ينتج أن الكلي يفتقر إلى سبب ، إذ لا وجود للكلي مستقلا عن الأفراد .