محمد جواد مغنية

96

معالم الفلسفة الإسلامية ( نظرات في التصوف والكرامات )

يزعمون أن المعرفة باللّه وبغيره من الموجودات شيء يلقى في النفس عند تجريدها من العوارض الشهوانية ، واقبالها بالفكرة على المطلوب . وخير مثال يوضح فكرتهم هذه ما نقله ابن الجوزي المتوفى 597 ه في كتاب « تلبيس إبليس » وهو ان فقيها كان مجاورا لأحد أقطاب الصوفية ، وكان يسمع عنه الكثير ، فقصده ذات يوم . وقال له : حكي لي عنك عجائب . فقال الصوفي : أما علمك أنت وأمثالك فهو نقل لسان عن لسان ، وعلمي أنا عطاء من اللّه وإلهام . فقال الفقيه : وكيف تأخذه عن اللّه ؟ ! قال الصوفي : بالإلقاء في القلب . مساكين أنتم تأخذون العلم ميتا عن ميت ، وعلمي أنا عن الحي الذي لا يموت . وكان أحد الصوفيين إذا حدّث قال : حدثني قلبي عن ربي . . 3 - وعلى يد أبي يزيد البسطامي المتوفى 261 ه انتقلت فكرة التصوف من نظرية الالهام والالقاء في القلب إلى نظرية اتحاد الانسان باللّه ، وجعلهما حقيقة واحدة . 4 - وعلى يد الحلّاج الذي قتل 309 ه انتقلت هذه الفكرة إلى حلول اللّه بالانسان ، وسائر المخلوقات . ويتفق الاتحاد والحلول في أنهما حقيقتان اندبحتا وأصبحتا حقيقة واحدة ، والفرق بينهما اعتباريّ لا جوهري ، إذ معنى الاتحاد ان المخلوق اتحد مع الخالق ، ومعنى الحلول ان الخالق حل في المخلوق ، واتحد معه . ويختلف المعنيان عن معنى وحدة الوجود الذي قال به ابن عربي المتوفى 638 ه ، لأن معنى وحدة الوجود انه لا حقائق متعددة ثم اتحدت ، وانما الوجود بأجمعه من أول الأمر حقيقة واحدة ، وهو اللّه ، وله مظاهر شتى تتكثر بالصفات والأسماء ، وجوهرها واحد ، فالجماد والنبات والحيوان والانسان ، وكل وجود هو اللّه بالذات . .