محمد جواد مغنية

94

معالم الفلسفة الإسلامية ( نظرات في التصوف والكرامات )

يا بني إني أخاف عليك الفقر ، فاستعذ باللّه منه ، فإن الفقر منقصة للدين ، مدهشة ، داعية للمقت . وقال : الغنى في الغربة وطن ، والفقر في الوطن غربة . وقال : كاد الفقر يكون كفرا . وقال الصحابي الجليل أبو ذر الغفاري : إذا ذهب الفقر إلى بلد قال له الكفر خذني معك . إلى غير ذلك من الأحاديث في ذم الفقر . أما حياة التقشف التي كان يحياها محمد وخلفاؤه الراشدون فلا دلالة فيها على أن التقشف مطلوب لذاته ، وإنما هو عمل بمبدأ مساواة الحاكم للرعية ، إذ عليه أن يقيس نفسه بأضعف الأفراد ، وليس له أن يشبع وفي رعاياه جائع . ويدل على هذه الحقيقة ما جاء في نهج البلاغة : قال العلاء بن زياد الحارثي للإمام علي ، وكان من أصحابه . قال له : يا أمير المؤمنين أشكو إليك أخي عاصما . قال : وما له ؟ قال : لبس العباءة ، وتخلى عن الدنيا . قال : عليّ به . فلما جاء قال : يا عدو نفسه لقد استهام بك الخبيث - أي الشيطان - أما رحمت أهلك وولدك ؟ ! أترى اللّه أحل لك الطيبات ، وهو يكره ان تأخذها ؟ ! أنت أهون على اللّه من ذلك قال : يا أمير المؤمنين هذا أنت في خشونة ملبسك ، وجشوبة مأكلك . قال : ويحك إني لست كأنت . ان اللّه فرض على أئمة العدل ان يقدروا أنفسهم بضعفة الناس كيلا يتبيغ بالفقير فقره ، أي يهيج به ألم الفقر فيهلكه . وبالتالي ، فإن معنى الزهد في نظر الاسلام ان لا تطغى عند الانسان النزعة المادية على النزعة الروحية ، والجانب الدنيوي على الجانب الأخروي ، كما صرحت الآية 77 من سورة القصص : « وَابْتَغِ فِيما آتاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ ، وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا » وكما قال الإمام علي : اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدا ، واعمل لآخرتك كأنك تموت غدا .