محمد جواد مغنية
82
معالم الفلسفة الإسلامية ( نظرات في التصوف والكرامات )
وليس يصح في الأفهام شيء * متى احتاج النهار إلى دليل « 1 » وبهذا يتبين معنا ان القضايا ليست بديهية بكاملها ، والا استغنينا عن العلم والتعلم ؛ ولا نظرية بأجمعها ، والا استحالت المعرفة ، وانسد باب العلم . . بل بعضها نظرية ، وبعضها بديهية ، وبالقضايا البديهية الواضحة نتوصل إلى معرفة القضايا النظرية الغامضة . وما دامت القضايا البديهية لا تحتاج إلى الدليل واستعمال الفكر فيكون الناس ، والحال هذه ، في إدراكها سواء لا فرق فيها بين العالم والجاهل ، كما إنها ليست محلا للجدل والنقاش بين أهل المعرفة والعلم ، ولا يبحث عنها في العلوم كغاية ، بل كوسائل ومقدمات تتألف منها الأدلة والأقيسة المنطقية . فليس من مسائل العلم في شيء البحث في أن الماء يغني إذا وضع إناؤه على النار ، وان الشمس تشرق عند الصباح ، وتعلو في النهار ، وان الحجر إذا رمي يسقط على الأرض ، وما إلى ذلك مما تواضع عليه الناس ، وانما يبحث العلم : لماذا سقط الحجر على الأرض ؟ وما هو السبب لارتفاع الشمس وسط النهار ؟ وكم تبلغ درجة الحرارة في الماء إذا غلى . القضايا النظرية أما النوع الثاني ، وهي القضايا النظرية التي تفتقر إلى الدليل فإنها تقبل السلب والايجاب بنسبة متعادلة بالقياس إلى العلم بالموضوع ، أي ان العلم بموضوع القضية لا يستدعي العلم بنسبة المحمول اليه لا نفيا ولا إثباتا ، فإن العلم بالأرض - مثلا - لا يستدعي العلم بكرويتها أو عدم كرويتها ، فلا بد ، اذن ، من أمر خارج ، وسبب زائد يستدعي المعرفة . فما هو هذا السبب الذي يوجب العلم ، والمعرفة النظرية ؟ .
--> ( 1 ) وشبيهة بهذا ما قرأته في المنطق عن تعريف الانسان بأنه حيوان ناطق ، والحيوان بأنه جسم نام حساس متحرك بالإرادة ، والجسم بأنه جوهر قابل للابعاد الثلاثة : الطول والعرض والعمق .