محمد جواد مغنية

63

معالم الفلسفة الإسلامية ( نظرات في التصوف والكرامات )

وقال قوم لا وجود للمكان أصلا ، والا احتاج المكان إلى مكان ، ويتسلسل . وقال آخرون : ان المكان أشبه شيء بالهيولي ، فهي تقبل كل صورة ، وهو يقبل كل جسم ، وقد نسب هذا القول إلى أفلاطون ومهما يكن فإن الذي نفهمه من المكان هو ما أشرنا إليه من نسبة الجسم إلى الحيز الذي يشغله . الخلاء واختلفوا في جواز خلو المكان عن الشاغل ، فقال المتكلمون : يجوز ان يكون المكان خاليا من كل شيء حتى من الهواء . وقال الفلاسفة : لا يجوز خلوه من الشاغل . واستدل المتكلمون بأنه لو كان كل مكان مشغولا وممتلئا لتصادمت الأجسام ، وامتنعت الحركة كلية ، إذ لا يمكن ان ينتقل الجسم الأول من مكانه الا بعد ان ينتقل الجسم الثاني ، ولا ينقل الثاني الا بعد ان ينتقل الثالث ، وهكذا فتتحرك أجسام العالم كلها دفعة واحدة ، هذا مع العلم بأنه محال ان تحصل الحركة ، لأن كل مكان مملوء بشاغل . ومن أدلة الفلاسفة على امتناع الخلاء أنه لو ملأنا زجاجة بالماء ، وكان في أسفلها ثقب صغير ، وسددنا فمها سدا محكما لوقف ، ولم يتحرك . وإذا فتحنا فم الزجاجة خرج الماء من الثقب ، وما ذاك الا لأن المحل ممتلئ بالشاغل ، ولو كان خاليا لنزل الماء . ومتى فتحنا فم الزجاجة يخرج الماء من الثقب بمقدار ما يدخل الهواء ، من جانب ، وينزل الماء من جانب آخر « 1 » .

--> ( 1 ) من طريف ما استدلوا به على قاعدة الخلاء انه لو رمى انسان حجرا إلى فوق يلزم ان يبقى سائرا في العلو إلى ما لا نهاية ، إذ لا شيء يصدمه في الفضاء على القول بالخلاء ، مع أنه باطل بالمشاهد والوجدان ، والسر ان الفضاء مملوء بالشاغل الذي يصدم الحجر ، ويضطره إلى الرجوع القهقرى .