محمد جواد مغنية

56

معالم الفلسفة الإسلامية ( نظرات في التصوف والكرامات )

واحد بالصفات ، وليست له إرادات متجددة ، ولا حيثيات متعددة فقد حلوا الاشكال بما يلي : وهو أن اللّه يوحد المعلول الأول ، وهذا المعلول فيه جهات كثيرة ، منها انه ممكن الوجود بذاته ، ومنها انه واجب الوجود باعتبار علته ، ومنها انه يدرك نفسه ويدرك مبدأه ، وكل هذه الحيثيات تجمعت في المعلول الأول ، ويصدر عن هذا المعلول أشياء كثيرة بلحاظ جهاته الكثيرة ، أي أن اللّه خلق واحدا فقط ، فيه جهات ، وهذا الواحد المتعدد بالجهات أوجد العالم المتكثر ، ومن هنا تولدت فكرة التوسط بين اللّه وخلقه . ثم اختلف الفلاسفة في الواسطة : هل هي واحدة أو أكثر ، فقال أفلاطون : انها واحدة ، وهي النفس الكلية ، فاللّه أوجد النفس ، وعنها يتفرع العالم . وقال الكندي ( ت 252 ه ) : ان اللّه أوجد العالم بواسطتين : هما العقل والنفس ، أوجد اللّه العقل ، وأودع فيه الفعل والايجاد ، وهو بدوره أوجد النفس ، وهي أوجدت العالم . أما الفارابي فقد جعل بين اللّه والعالم عشر وساطات ، وهي العقول العشرة ، قال : العقل الأول ينبثق عن اللّه ابتداء ، وينبثق عن العقل الأول عقل ثان يدبر شؤون الأفلاك ، وعن الثالث عقل رابع يدبر زحلا ، ثم الخامس للمشتري ، ثم السادس للمريخ ، ثم السابع للشمس ، والثامن للزهرة ، والتاسع لعطارد ، والعاشر للقمر . ونحن إذ نتكلم عن هذه العقول فإننا ننقل الفاظا سطرها الأولون دون ان نتعقلها أو نهضم معناها ، إما لقصور في عقولنا ، وإما لأنها غير معقولة في ذاتها . وهناك فئة من الفلاسفة ومنهم أرسطو ، قالوا بأن لا واسطة بين الواجب والممكن ، بين اللّه والعالم ، فكما ان اللّه واحد فالعالم واحد