محمد جواد مغنية
54
معالم الفلسفة الإسلامية ( نظرات في التصوف والكرامات )
كل من الجفاء والشيب متقدما ومتأخرا في آن واحد ، وبالتالي يكون الشيء متقدما على نفسه . وكذا لو قلت : لا يوجد المساء إلا بعد الصباح ، ولا يوجد الصباح إلا بعد المساء . ومعنى التسلسل أن يفرض وجود حوادث أو أفراد من جنس واحد لا تتناهى في جانب الماضي ، وكل فرد مسبوق بغيره على أن يكون السابق علة للاحق . وهو جائز في جانب المستقبل والأبد ، كالأعداد ، فإنها تقبل الزيادة ، ولا يمنع العقل من عدم تناهيها . أما التسلسل في جانب الماضي والأزل بحيث لا يكون لها أول فمحال ، لأن الأفراد إذا لم تنته إلى موجود بالذات يلزم ان لا يوجد شيء أبدا ، فلو افترضنا أن كل فرد من أفراد الانسان لا بد أن يولد من إنسان مثله كانت النتيجة المنطقية أنه لم يوجد انسان أبدا ، تماما كما لو قلت : لا يدخل أحد إلى هذه الغرفة حتى يدخلها انسان قبله ، فتكون النتيجة ، والحال هذه ، أن لا يدخل الغرفة أحد ، حيث يصبح المعنى أن دخول الانسان الغرفة شرط في دخوله إليها ، وبديهة أن الشيء الواحد لا يكون شرطا لنفسه بنفسه ، ولا علة ومعلولا لها في آن واحد لشيء واحد . ومن الأدلة على بطلان التسلسل البرهان المسمى ببرهان التطبيق ، وهو العمدة عند الفلاسفة . ومحصله أن نفترض خطين غير متناهيين ويبتدئ كل منهما من نقطة واحدة ، ثم نفصل من أحد الخطين قطعة ، ثم نطبق أحد الخطين على الآخر ، فنجعل أول أحدهما مقابلا لأول الآخر ، ونمده إلى ما لا نهاية ، فان استمر كذلك ، وكان في إزاء كل واحد من الخط الزائد واحد من الخط الناقص كان الناقص مثل الزائد ، وهو محال . وان انقطع الناقص يكون متناهيا لا محالة . وإذا انته الناقص ينتهي الزائد أيضا ، لأنه انما زاد بالمقدار المقطوع ، والزائد على المتناهي متناه .