محمد جواد مغنية

31

معالم الفلسفة الإسلامية ( نظرات في التصوف والكرامات )

الذهن للزم أن تكون عقولنا مجتمعا للمتناقضات ، فتجتمع فيها الحرارة والبرودة عند حصول النار والثلج في الذهن ، والاستقامة والاعوجاج عند حصول الجسم المستقيم والمعوج ، وأن تكون البحار والجبال والكواكب في أذهاننا ، لأن وجود الشيء في المحل يوجب اتصافه به وحمله عليه . وأجيبوا بأن الموجود في الذهن ليس عين الثلج والنار ، ولا الجبال والكواكب ، بل صور هذه وأشباحها ، تماما كما هي الحال في المرآة ، وعليه فلا يلزم اتصاف المحل بها على نحو الحقيقة . الوجود خير من العدم الوجود خير بذاته ، وبصرف النظر عن كل قيد ، والعدم شر بذاته دون أي لحاظ ، والدليل على ذلك اننا لم نجد شيئا يقال له خير إلا ألفينا مصدره الوجود ، وما رأينا شيئا يقال له شر إلا لأنه عدم لشيء من الأشياء ، أو لصفة من الصفات . فالخير هو الوجود ، والوجود هو الخير ، وليس الشر إلا العدم ، وليس العدم إلا الشر . ومن هنا تختلف مراتب الخير ، وتتفاوت باختلاف مراتب الوجود ، فالوجود التام من جميع الجهات بحيث لا يعرض عليه النقص والزوال أشرف وأعلى مما يزول ولا يبقى ، والذي هو أطول أمدا من غيره يكون كاملا بالقياس إلى قصير الأمد . وقد يتراءى ان من الوجود ما هو شر كالقتل ونحوه ، ولكن القتل إنما وصف بالشر ، لأنه يؤدي إلى عدم الحياة . فقوة عضلات القاتل ، وجودة آلة القتل ليستا شرا من حيث وجودهما ، بل من حيث إنهما سبب لإزالة الحياة . فالشر هو ازهاق الروح ، أما وسائل القتل فهي خير في نفسها ، فالوجود بجميع انحائه ومظاهره خير بطبيعته ، ولا يصبح شرا إلا إذا اتخذ منه أداة لإزالة الوجود . وأصدق مثال على ذلك الذرة ، فإنها خير ما لم توجّه