السيد الخميني

20

صحيفة الإمام ( تراث الإمام الخميني )

وأكثر ما أخشاه أن أتواجه وإياهم هناك ، نحن في جهنم ، وهم في الجنة يطلون علينا . أين يذهب الانسان في تلك اللحظة من الخجل ، هم وبسببنا وصلوا إلى هذه المقامات الرفيعة ، ونحن ومن أجل أهوائنا النفسانية تردينا في الدرك الأسفل . انه خوف كثيراً ما يساورني ويراودني . وقد نقلوا لي قصة عن تاجر ذهب إلى أحد العلماء الكبار - من هو لا أعلم - وقال له : أيها السيد ! ان كان عندكم في مكتبتكم ما تخفونه عنّا مما أمر به الله ورسوله ، فأطلعونا عليه ، لأننا نراكم تعلموننا شيئاً ، وعملكم شيءٌ آخر ، فما هي القصة ؟ فأجهش السيد بالبكاء لما سمع وقال : أيها الحاج ليس ثمة شيء آخر ، كل الأمر أننا نحن الفاسدون . فالمسألة ليست كما يتخيل الانسان بأن الشيطان يأتي إلى ابن آدم ويطلب منه أن يصبح طاغوتياً ، لا ليس الأمر كذلك . بل أسلوبه أن يجر ابن آدم إلى ذلك خطوةً خطوة ، وشبراً شبرا . فإن وضعت له حداً منذ البداية انقطع طمعه فيك ، وأمّا إذا تهاونت وتساهلت جرّك اللعين في اليوم التالي خطوةً أخرى إلى الأمام ، وفجأة تجد هذا الطالب الزاهد العابد الذي يعيش في المدارس الدينية ، قد تحول إلى انسانٍ طاغوتي على قدر وسعه ، وانسلخ عن حالة الطلبة التي كان عليها مشايخنا العظام وتحول إلى انسان همّه الدنيا فقط ، فهكذا أمور تحصل بالتدريج . وعلى الانسان أن يحسم أمرها منذ الخطوة الأولى . فإنه إذا ما ابتلي ، فسيجره هذا البلاء إلى بلاء آخر وهكذا . . . . ، فليس من المعلوم أن يستطيع الانسان قلع جذور الدنيا من قلبه إذا ما ترسخت فيه واستفحلت . ضرورة تربية النفس منذ أيام الشباب من مكايد الشيطان وأحابيله التي يصطاد بها عادةً الشباب ، أن يسوّل للشاب عمل المنكر واقتراف الذنب بتبريرات كالقول أنك لا تزال شاباً ، وهذه أيامك عشها ، وانشاء الله عندما تصبح شيخاً تعوض ما فاتك وهذا ما لن يحصل أبداً . فإن ربّى الانسان نفسه منذ أيام الشباب تربّى ، ولكن ان انتظر إلى الشيخوخة فلن يقدر على شيء لأن قواه تكون قد ضعفت ، وتلك الشجرة التي زرعها الشيطان في قلبه قد قويت وشجرة قوية لا يمكن للانسان أن يقتلعها بهكذا إرادة ضعيفة . . هذه من الأمور التي تقلقني ، كما يجب أن تُقلِقَ السادة أيضاً وتدعوهم أينما كانوا إلى توصية أهل العلم بها وتحذيرهم لهم من الدنيا . فلا تتخيلوا أن الدنيا هي هذه الطبيعة ، فإن الله تبارك وتعالى لم ينفي شيئاً من هذه الطبيعة ، بل هناك روايات كثيرة مدحتها وتحدثت عنها « 1 » فهي مظهرٌ من المظاهر الإلهية . فالدنيا هي تلك الساكنة فينا وتبعدنا عن مبدأ الكمال ، وتشغلنا بنفسنا ونفسياتنا . الدنيا المذمومة هي تعلق الانسان وانشغاله بشيء غير الحق ، حتى ولو كان مسبحةً أو كتاباً ، وليس

--> ( 1 ) ( 1 ) مثل الحديث المنقول عن الامام الرابع ( ع ) " الدنيا دنيائان دنيا بلاغ ودنيا ملعونة » أي الدنيا التي توصل إلى السعادة ، والدنيا الملعونة " . أصول الكافي ج 2 ، ص 317 ، ح 8 .