السيد الخميني
249
صحيفة الإمام ( تراث الإمام الخميني )
وهذا الأمر محتمل ، لأن الإنسان يتميز من سائر الحيوانات الأخرى ، فهذه تكون وحشيتها محدودة بحدود معينة ، فالذئب مثلًا إذا افترس حيواناً آخر استراح مدة لا يهاجم فيها حيواناً آخر - باستثناء بعض الذئاب - لأن وحشيته محدودة ، فهو يفتقد ملكة مهاجمة كل حيوان ، ونفس الأمر يصدق على وحشية الحيوانات الأخرى ، فهي محدودة . أما الإنسان ، فهو غير محدود ، وهو يصل في مسار السعادة والفضيلة إلى المرتبة التي تكون فيها جميع صفاته الهية ، فنظرته الهية حين ينظر ، وحركة يده الهية حين حركتها : ( وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى ) « 40 » ، فاليد تصبح يد الله : ( إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله ) « 41 » . فالإنسان يصل في مدارج الكمال إلى المرتبة التي يصبح فيها يد الله ، وعين الله ، وأذن الله ، فهو غير محدود في مسار الكمال . كما أنه غير محدود أيضاً في الاتجاه المعاكس ، أي : مسار الشقاء : ( الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات ) « 42 » . فهو لم يقل إلى الظلمة ، بل إلى الظلمات التي تعني جميع مراتب الظلمات . أما قوله بالنسبة للطرف المقابل النور ، فهو ناتج من أن للنور وحدة ، وأكمل نور هو النور الواحد ، ففي هذه الطرف أقسام مختلفة من الظلمة ، وهؤلاء يخرجون من النور إلى الظلمة ، وعلى الطرف الآخر يعبر أولئك كل الظلمات ويخرجون إلى النور إلى أن يصلوا إلى تلك المرتبة المجهولة التي لا تعرف ماهية نورانيتهم فيها ولا مقامها ، كما لا تعرف ظلمة هؤلاء ومراتب ظلماتهم ، فإذا طويت هذه الصفحة ، وظهرت الصفحة الثانية عندها ستظهر الحقائق . فترون أحدهم بعشر هيئآت مختلفة ، لأن فيه عشر ملكات ، فهو واحد ، ولكنه يظهر في صورة النمر مثلًا لغلبة نزعة الحيوانية الشهوية عليه ، وإلى جانب ذلك يظهر أيضاً بالصورة الشيطانية إذا غلبت عليه الشيطنة وكان كثير المكر والمخادعة . والى جانب هذه الصورة يظهر بصورة السبعية المتوحشة وبصورة الحيوانية الشهوية وهي آخر مراتب الشهوانية . وهذا أيضاً سيظهر بصورة مختلفة ، ولذلك لم نفهمه ، ولم نعرفه ، فمثلما لم ندرك بعضنا حقيقة بعض كذلك لم ندرك بواطن الآخرين ، فنحن لم نفهمك طبق هذا المعنى ، فإذا ظهرت السرائر - عندما تطوى هذه الصفحة ، وتظهر الصفحة الأخرى - ستعرف أنت نفسك وسيعرفك الآخرون ، وهذا هو حالنا نحن أيضاً فنحن لم نعرف بواطن أنفسنا لكي نعرف حقيقة ملكاتنا ونحن نعوذ بالله من الملكات الفاسدة الموجودة فينا . وأما قولك : إنكم لم تفهموني ، بذاك النمط من المعرفة الذي تفهمه - فما قلته أنا لست أنت أهلًا لتفهمه - فنحن قد أدركنا معنى بعض أعمالك وبعض أعمال أبيك . واليوم هو يوم ( 17 / دي ) وأتذكر أنا - ولعل هذا السيد « 43 » يتذكر أيضاً - فهو من أعمارنا - أي عمل شرير ارتكبه أبوك في مثل هذا اليوم وأية ضغوط وقمع أنزله بالشعب وأية حرمات انتهكها وكم من جنين أسقط بسبب ما
--> ( 40 ) سورة الأنفال / الآية 17 . ( 41 ) سورة الفتح / الآية 10 . ( 42 ) سورة البقرة / الآية 257 . ( 43 ) إشارة إلى أحد الحاضرين .