أبو علي سينا
336
الإشارات والتنبيهات ( شرح نصير الدين الطوسي وشرح شرح الرازي ) ( نشر الكتاب )
على الحسية - ولما كانت اللذات الباطنة المذكورة حيوانية - نبه على أن من سائر الحيوانات ما يشارك الإنسان في ذلك - فإن كلب الصيد تؤثره اللذة الوهمية التي ينالها - من توقع إكرام صاحبه إياه على لذة الأكل - والراضعة من الحيوانات تؤثر اللذة الوهمية - التي تجدها من تصور سلامة ولدها على لذة سلامتها نفسها - ثم تدرج من ذلك إلى المقصود - فذكر أن اللذات الباطنة الحيوانية - لما كانت أعظم من الظاهرة - فأن تكون العقلية أعظم منها أولى - وذلك لأن قوة اللذة وضعفها يتبعان قوة الإدراك وضعفه - فإن اللذة إدراك ما على ما سيأتي ( 2 ) تذنيب [ في الرد على القائلين بأن السعادة محصور في الحسية ] فلا ينبغي لنا أن نستمع - إلى قول من يقول إنا لو حصلنا على حالة - لا نأكل فيها ولا نشرب فيها ولا ننكح - فأية سعادة تكون لنا - والذي يقول هذا فيجب أن يبصر - و
--> فالجواب : أن اللذة ليست نفس ادراك الملايم بل حالة تابعة لادراك الملايم ، فمن البين انا إذا أدركنا ملائما حصل لأنفسنا حالة أخرى بحسبه هي اللذة فادراك الملايم والمنافر وان اقتضى اللذة والألم الا أن هذا الاقتضاء لا يوجب وجود تلك الحالات عند الادراك دائما . فربما يتوقف حصولها على وجود شرط أو ارتفاع مانع ولا شك أن للنفس ألفا بالمحسوسات والشهوات واتصافا بالأخلاق الذميمة . فلعل ذلك مانع من وجد أن اللذة بالمعقولات كما أن المريض الممرور الذي يغلب عليه مرة الصفراء لا يلتذ بالحلاوى بل يعافها ويكرهها . لا يقال اثبتوا للّه تعالى لذة عقلية فلو كانت اللذة حالة زائدة على الادراك لزم وجود امر زائد في ذاته تعالى وانه محال . لأنا نقول : اللذة فينا معنى زائد على ادراك الملايم بخلاف اللذة في الباري كما في العلم والقدرة وغيرهما من الصفات ، أو نقول : اللذة ليست هي ادراك الملايم فقط بل ادراك ونيل للملايم . ونيل المعقولات يشبه حالة العيان بعد حال الغيبة . ولهذا قال من كمل قوته العلمية يجد لذات عقلية عظيمة . فلعله وأصل إلى نيل المعقولات فهو عين اليقين . ومثال ذلك العنين لو فرضناه يتصور الجماع بأنه ادخال في فرج لا يلتذ به كما يلتذ من ناله . فاللذة ليست من الادراك بل من النيل ، وكذلك من تصور الحسن لا يلتذ به بل من نيله فالنفس ما دامت الفت بالمحسوسات مشوبة بشوائبها وكان المعقولات لا تمثيل فيها تمثلا تاما بحيث يلاحظها حق الملاحظة اما إذا تخلص من هذه الشوائب فربما تعتورها حال كالمشاهدة بالنسبة إليها وهو نيلها . واعلم أن المطلوب من هذه الفصل ليس الا نفى حصر اللذات في الحسية الظاهرة واستحقار غيرها . وانما ذكرنا ما ذكرنا تنبيها على المطلوب بالذات من النمط كما سيأتي تفاصيلها . م