أبو علي سينا
302
الإشارات والتنبيهات ( شرح نصير الدين الطوسي وشرح شرح الرازي ) ( نشر الكتاب )
ذاتي - وأفضل أنحاء كون الشيء مدركا - لأنه تام حاصل من الوجه الذي يجب أن يحصل - ويتلوه إدراك الجواهر العقلية - أما إدراكها للأول - فغير ممكن من ذواتها المعلولة - إلا أن الأول لما كان معقولا لذاته - وهي عاقلة لذواتها عقلية بإشراق الأول ( 71 ) عليها - ثم عقلت ما دون الأول من الأول تعقلا دون تعقل الأول [ 1 ] إياها - ويتلوه إدراكات النفوس المستفادة - من طرق الحواس والتخيلات وغيرها - وهي كلها نقش ورشم عن طبائع عقلي - لأن مخرجها من القوة إلى الفعل - عقل متصور بصور المعقولات - فينطبع منه فيها بعض تلك الصور - بحسب استعداداتها واتصالها بذلك العقل - وهي إدراكات متبددة المبادئ - لأن بعضها يحصل من الاستدلال بالعلة على المعلول - وبعضها بالعكس - وبعضها من طرق غيرها ومتبددة المناسبات - لأنها تارة تنتقل من العلم بالشيء إلى العلم بما يشابهه - وتارة إلى العلم بما يقابله وتارة على وجوه غيرها - فهي أنقص مراتب الإدراكات - وقد حصل أيضا من جميع ذلك - أن الإدراك يقع على أصناف الإدراكات بالتشكيك ( 17 ) وهم وتنبيه [ في دفع ما يقال إن تقرر المعقولات وهي صور متباينة ينافي وحدة الواجب حقيقة ] ولعلك تقول إن كانت المعقولات لا تتحد بالعاقل - ولا بعضها مع بعض لما
--> [ 1 ] قوله « عقلت ما دون الأول من الأول تعقلا دون التعقل الأول » . أما أولا : فلان تعقلها من الأول انفعالى وعلم الأول فعلى . واما ثانيا : فلان الأول لما كان منقطع العلائق عن المادة لا يشوبه شاغل ولا يحجبه عن غيره صاحب كان ادراكه أتم . إذ قوة الادراك وضعفه بحسب التجرد عن المادة وعدمه . فما كان أقوى تجردا كان أقوى ادراكا . وأما العقول فلما كان وجوداتها مقترنة بالماهيات والماهية كالمادة ففيها شائبة من المادة . فلا جرم يكون ادراكها أدون مرتبة من إدراك الأول . واعلم أن كلام الشارح ان ادراك العقول باشراق الأول لأنه معقول لذاته والمعقول عاقلة لذاتها فهي تعقله باشراق الأول ، واما ادراك دون الأول فمن الأول أيضا لكنه دون ادراك الأول إياه وهذا لأنه يوهم أن الضمائر في قوله : ولما بعده منه من ذاته . يعود إلى الأول حتى يكون معنى الكلام أن ادراك العقول لما بعد الأول من ذاته . فقوله : من ذاته . بدل من قوله : منه . والفهم السليم يقتضى بأنها راجعة إلى العقل أي ادراك العقل وهو معلولاته من ذاته بخلاف ادراكه الأول لأنه من ذاته بل باشراق الأول وهو علته . قال الامام في شرح هذا الفصل : مراتب العلوم ثلاثة :