أبو علي سينا
249
الإشارات والتنبيهات ( شرح نصير الدين الطوسي وشرح شرح الرازي ) ( نشر الكتاب )
الفلك بها فلكا بالقوة - وبالثاني صار مبدأ لصورته - التي يكون الفلك بها فلكا بالفعل - ولأجل كون الماهية والإمكان عدميين في ذاتيهما - وجوديين بغيرهما - كانت المادة عدمية بانفرادها وجودية بالصورة - ولأجل كون الماهية متقدمة على الوجود - من حيث العقل متأخرة عنه من حيث الوجود - كانت المادة متقدمة على الصورة من وجه - ومتأخرة عنها من وجه كما مر في النمط الأول - ولأجل كون الوجود أقرب إلى المبدأ في الترتب - كان للصورة تقدم العلية على المادة - فهذا ما أردنا بيانه - وإنما أطنبنا القول فيه - لأن أكثر الفضلاء الذين لم يتعمقوا في الأسرار الحكمية - قد تحيروا في هذه المسألة - وأقدموا لجهلهم بها - على تجهيل المتقدمين من الحكماء - والتشنيع عليهم - وقد شنع عليهم أبو البركات البغدادي بأنهم نسبوا المعلومات - التي في المراتب الأخيرة إلى المتوسطة - والمتوسطة إلى العالية - والواجب أن ينسب الكل إلى المبدإ الأول [ 1 ] - ويجعل المراتب شروطا معدة لإفاضته تعالى - وهذه مؤاخذة تشبه المؤاخذات اللفظية - فإن الكل متفقون على صدور الكل منه جل جلاله - وأن الوجود معلول له على الإطلاق - فإن تساهلوا في تعاليمهم - وأسندوا معلولا إلى ما يليه - كما يسندونه إلى العلل الاتفاقية والعرضية - وإلى الشروط وغير ذلك - لم يكن ذلك منافيا لما أسسوه وبنوا مسائلهم عليه - والفاضل الشارح ممن نسب كلامهم في هذه المسألة - إلى الوهن والركاكة للسبب المذكور - وقد ذكر في الشرح أن الشيخ خبط في هذا الكتاب وفي سائر كتبه - لأن كلامه مشعر تارة بأنه - إنما يصدر عقل وفلك عن العقل الأول - لما فيه من الإمكان والوجوب - وتارة لأنه يعقل نفسه ويعقل غيره - ولقد كان من الواجب عليه أن يفصل [ 2 ] - فإن المجمجة
--> [ 1 ] قوله « والواجب ان ينسب الكل إلى المبدأ الأول » هذا لا بد له من دليل . على أن الشارح ساعد عليه ونقل اتفاق الكل على صدور الكل منه تعالى . فان أراد صدور الكل بالذات فلا دلالة عليه ، وان أراد به أعم سواء كان بالذات أو بواسطة فهذا لا ينافي نسبة المعلولات الأخيرة إلى المتوسطة ونسبتها إلى العالية فلم يحصل الخلاص من تشنيع أبى البركات . ولعل هناك سرا لم يرد التصريح به . م [ 2 ] قوله « من الواجب عليه ان يفصل » أي يبين أن مصدر المعلولين هو الامكان والوجوب