أبو علي سينا
226
الإشارات والتنبيهات ( شرح نصير الدين الطوسي وشرح شرح الرازي ) ( نشر الكتاب )
لامتناع وجوده - بل معناه أن تصوره هو المقتضي لامتناع وجوده - والمقارن للمحوي هو نفي ما يتصور فيه - فإن المحوي من حيث هو ملأ لا يتصور إلا مع ذلك النفي - وذلك النفي لا يتصور إلا مع تصور المحوي من حيث هو ملأ -
--> لذاته . أن ما يتصوره العقل من الخلاء يحكم عليه العقل بأنه ممتنع الوجود في الخارج بالنظر إلى ذلك المتصور لا بالنظر إلى ذلك الغير . وكذا معنى الواجب لذاته ليس أن هناك ذاتا ووجودا تقتضيه وانما هو شئ يتصوره العقل ويحكم عليه بالوجود من حيث ذاته لا بالنظر إلى الغير بخلاف الممكن لذاته . فان العقل لا يحكم بوجوده ولا بعدمه الا بعد اعتبار وجود علته أو عدمها . إذا تقرر ذلك فنقول : شئ يتصوره العقل ويسميه بالخلاء فعدم الخلاء عبارة عن نفى ذلك المتصور بخلاف عدم الانسان فإنه نفى الموجود في الخارج فهما عدمان خارجيان الا أن عدم الخلاء عدم في الخارج لموجود عقلي ، وعدم الانسان عدم في الخارج لموجود خارجي . فمتى وجد المحوى من حيث إنه ملاء يلزمه نفى ذلك المتصور قطعا ، ومتى انتفى ذلك المتصور يلزم وجود المحوى من حيث إنه ملاء فوجود المحوى وعدم الخلاء متلازمان في نفس الامر . وليس المراد من قوله في المتلازمين : لا يتصور . التلازم في العقل إذ لا تلازم بحسب العقل على ما لا يخفى . وعلى تقدير التلازم العقلي فهو ليس مقدمة البرهان فان المقدمة هي كونهما متلازمين في الوجود بحسب الامر نفسه ؛ بل المراد المبالغة في عدم تحقيق الانفكاك على ما هو الشائع في عرف التخاطب . وفي التقيد بقوله : من حيث هو ملاء . فايدتان : الأولى : ان هذا التلازم لا بد فيه من اعتبار الحاوي فان المحوى لا يستلزم من حيث ذاته نفى الخلاء ؛ بل من حيث إنه متجدد بالحاوى فان الخلاء هو المكان الخالي كما أن الملاء هو المكان المملو فيجب اعتبار سطح الحاوي ثم تصوره تارة خلاء وتارة ملاء . واما نفس الجسم فهو لا يستلزم الخلاء ولا الملاء فان الحاوي جسم ولا خلاء ولا ملاء إذ لامكان له . فاستلزام المحوى نفس الخلاء ليس الا من حيث إنه يملأ المكان . هذا ما سمعناه واشعر به كلامه . وفيه نظر : لأن عدم الخلاء وهو عدم المكان الخالي اما لعدم المكان أو لوجود الملاء فاستلزام المحوى لعدم الخلاء لا ينحصر في حيثية الملاء فإنه لا خلاء مع المحوى على تقدير عدم السطح الحاوي أيضا . الثانية : اندفاع سؤال وهو ان الخلاء عدم المحوى فعدمه عدم العدم فيكون ثبوتيا . فعدم الخلاء هو نفس المحوى . فالقول بان المحوى مع عدم الخلاء بمنزلة القول بان الشئ مع نفسه . وجوابه : انا لا نسلم أن الخلاء هو عدم المحوى بل عدم الخلاء انما يعرض للمحوى من حيث إنه ملاء وكونه ملاء وصف للمحوى باعتبار مكانه . وكأن قوله : المقارن المغاير للمحوى وهو نفى ما يتصور منه أي من الخلاء . تنبيه على هذا فإنه ربما ظن أن عدم الخلاء عين وجود المحوى لشدة تقارن معنييهما . م