أبو علي سينا
208
الإشارات والتنبيهات ( شرح نصير الدين الطوسي وشرح شرح الرازي ) ( نشر الكتاب )
قد مر في بيان كثرة العقول - أن قوما من المشاءين ظنوا - أن المتشبه به في جميع السماويات واحد - وأن المعلم الأول قد حكم في موضع بوحدته - وفي موضع آخر بكثرته - وذكرنا وجه كل واحد من قوليه - فذلك القوم زعموا أن المحركات السماوية - هي نفوسها المنطبعة في أجسامها - ولزمهم القول بتحركها بالعرض - لأن الحال في المتحرك بالذات يتحرك بالعرض - والمحرك المتحرك يحتاج من حيث يتحرك إلى محرك آخر [ 1 ] - ولا يتسلسل - بل يجب أن ينتهي إلى محرك غير متحرك - من حيث هو محرك - قالوا فذلك المحرك الذي لا يتحرك من حيث هو محرك - هو العلة الأولى أو العقل الأول - وسائر ما عدا ذلك الواحد من المحركين - متحرك إما بالذات وإما بالعرض - وذلك غير واجب - لأنه يجوز أن يكون المحرك غير متحرك - من جهة ما هو محرك - ويكون متحركا من جهة أخرى مثلا - من جهة كونه حالا في مادة -
--> [ 1 ] قوله « والمحرك المتحرك يحتاج من حيث يتحرك إلى محرك آخر » لأنه إذا كان شئ محركا متحركا فهو من حيث إنه متحرك يحتاج إلى محرك فإن كان محركه نفسه يلزم أن يكون فاعلا وقابلا وانه محال ، وان كان محركه غيره فذلك المحرك ان كان متحركا يلزم احتياجه إلى محرك آخر وهكذا حتى ينتهى إلى محرك غير متحرك . قالوا : وذلك المحرك هو المبدأ الأول ، أو العقل الأول . وما عداه من المحركين متحرك وهذا الذي حملهم على الاكتفاء في تحريك الأفلاك بالصور المنطبعة . لأنهم لما ذهبوا إلى أن ما عدا المبدأ الأول من محركات الأفلاك متحركة اما بالذات أو بالعرض . والنفس والعقل ليسا بمتحركين لا بالذات ولا بالعرض . فلا دخل لهما في تحريك الأفلاك . فانحصر محركات الأفلاك في القوى الجسمانية . واعترض الشارح على هذا الكلام بقوله : وذلك غير واجب . وتقريره : أن يقال : لا نسلم أن كون المتحرك فاعلا قابلا معا محال . فان من الجايز أن يكون محرك متحركا من جهتين . فان القوة محركة من جهة انها تنفعل من العقل : متحركة من جهة انها حالة في مادة . فكيف لا يكون محركها نفسها . ومحرك المتحرك بالعرض هو محرك المتحرك بالذات لكن محرك المتحرك بالذات اعني الفلك هو تلك القوة . فيكون محركها من حيث يتحرك بالعرض أيضا هو نفسها كما أن الطبيعة العنصرية محركة ومتحركة ومتحركة بالعرض وليس محركها بالحركة العرضية الا إياها . وأعلم ان الأنسب أن يكون قوله : وهذا هو الذي حملهم على الاكتفاء مقدما على الاعتراض . الا أن ذكره بعد التزييف لما كان فيه نوع استحقار واستهزاء أخره عنه ، والواجب في قوله : فاذن هي عقول مفارقة . أن يقال : نفوس مفارقة . لما تقدم من اعترافهم بان للنفوس السماوية تصورات عقلية . م