أبو علي سينا
32
الإشارات والتنبيهات ( شرح نصير الدين الطوسي وشرح شرح الرازي ) ( نشر الكتاب )
أدى ذلك إلى أن ثلث القسمة بعض من جاء بعده ، وجعل اللفظ : إما أن لا يدل جزؤه على شيء أصلا : وهو المفرد ، أو يدل على شيء غير جزء معناه : وهو المركب ، أو على جزء معناه : وهو المؤلف والسبب في ذلك سوء الفهم ، وقلة الاعتبار لما ينبغي أن يفهم ويعتبر ، وذلك لأن دلالة اللفظ لما كانت وضعية [ 1 ] كانت متعلقة بإرادة المتلفظ الجارية على قانون الوضع ، فما يتلفظ به ويراد به معنى ما ويفهم عنه ذلك المعنى ، يقال له إنه دال على ذلك المعنى ، وما سوى ذلك المعنى مما لا يتعلق به إرادة المتلفظ ، وإن كان ذلك اللفظ ، أو جزء منه ، بحسب تلك اللغة ، أو لغة أخرى ، أو بإرادة أخرى يصلح لأن يدل به عليه ، فلا يقال له إنه دال عليه . وإذا ثبت هذا فنقول : اللفظ الذي لا يراد بجزئه دلالة على جزء معناه : لا يخلو من أن يراد بجزئه دلالة على شيء آخر أو لا يراد ، وعلى التقدير الأول لا يكون دلالة ذلك الجزء متعلقة بكونه جزء من اللفظ الأول ، بل قد يكون ذلك الجزء بذلك الاعتبار لفظا برأسه دلا على معنى آخر بإرادة أخرى ، وليس كلامنا فيه . فإذن لا يكون لجزء اللفظ الدال من حيث هو جزء دلالة أصلا ، وذلك هو التقدير الثاني بعينه . فحصل من ذلك أن اللفظ الذي لا يراد بجزئه دلالة على جزء معناه ، لا يدل جزؤه على
--> [ 1 ] قوله « وذلك لان دلالة اللفظ لما كانت وضعية » أي لما كانت دلالة اللفظ على المعنى بالمطابقة وضعية ، كانت موقوفة على إرادة المتلفظ ، وذلك المعنى إرادة جارية على قانون الوضع ؛ إذا الغرض من الوضع تأدية ما في الضمير وذلك يتوقف على إرادة اللافظ ، فما لم يرد المعنى من اللفظ لم يكن له دلالة عليه وهذا ممنوع ؛ فان الدلالة هي فهم المعنى من اللفظ للعلم بوضعه ولا خفاء في أن من علم وضع لفظ فكلما يتخيل ذلك اللفظ يتعقل معناه بالضرورة ، سواء كان مرادا أو لا ، فكأنه لم يفرق بين استعمال اللفظ ودلالته ، فالاستعمال هو إطلاق اللفظ وإرادة المعنى ، وأما دلالته فلا تعلق له بالإرادة أصلا وإذا ثبت أن دلالة المطابقة متعلقة بالإرادة فصار الرسم المحدث مرجعه إلى اللفظ الذي لا يراد بجزئه دلالة على جزء معناه ، وإذا لم يكن جزء المعنى مرادا من جزء اللفظ فإن لم يرد به معنى آخر لم يكن دالا أصلا ، وان أريد به معنى آخر لم يكن دالا على ذلك المعنى من حيث أنه جزء ، بل على أنه لفظ مستعمل في نفسه لم يجعل جزء . فظهر أن جزء اللفظ إذا لم يرد به جزء المعنى لم يكن له دلالة على شئ من المعاني ، فقد رجع الرسمان إلى معنى واحد ، لكن هذا انما يتم لو كان الرسم القديم مقيدا بحيثية الجزئية كما في الحد المذكور في الكتاب اللهم الا أن يقال الحيثية مرادة على ما صرح به في الشفاء في تعريف الجنس . م