أبو علي سينا
216
الإشارات والتنبيهات ( شرح نصير الدين الطوسي وشرح شرح الرازي ) ( نشر الكتاب )
حارة ، والثاني ما نجده بحواسنا الباطنة وهي القضايا الاعتبارية بمشاهدة قوى غير الحس الظاهر ، الثالث ما نجده بنفوسنا لا بآلاتها وهي كشعورنا بذاتنا وبأفعال ذواتنا ، والأحكام الحسية جميعها جزئية فإن الحس لا يفيد إلا أن هذه النار حارة وأما الحكم بأن كل نار حارة فحكم عقلي استفاده العقل من الإحساس بجزئيات ذلك الحكم [ 1 ] والوقوف على علله ويجري مجرى المجربات من وجه . قوله : وأما المجربات فهي قضايا وأحكام تتبع مشاهدات منا يتكرر فيفيد إذكارا بتكررها فيتأكد منها عقد قوي لا يشك فيه ، وليس على المنطقي أن يطلب السبب في ذلك بعد أن لا يشك في وجوده فربما أوجبت التجربة قضاء جزما وربما أوجبت قضاء أكثريا ولا تخلو عن قوة ما قياسية خفية تخالط المشاهدات ، وهذا مثل حكمنا بأن الضرب بالخشب مولم ، وربما تنعقد التجربة إذا آمنت النفس كون الشيء بالاتفاق وتنضاف إليه أحوال الهيئة [ 2 ] فتنعقد التجربة
--> [ 1 ] قوله « استفادة العقل من الاحساس بجزئيات ذلك الحكم » أي إذا وقع الاحساس بثبوت محمول لجزئيات موضوع حصل عند العقل حكم كلى لا بحسب إفادة الحس ذلك لان الحس لا يعطى الا أحكاما جزئية ولا سبيل له الا إلى ادراك هذه النار في هذا الوقت بل الحكم الكلى انما يحصل بطريق آخر فلعل تلك الاحساسات الجزئية سبب لاستعداد النفس لقبول ذلك العقد الكلى من المبدأ الفياض كما في المجربات ولهذا قالوا وهي يجرى مجرى المجربات من وجه . فان قلت : الاحساسات الجزئية كيف تنادى إلى اليقين وهي قد لا تطابق الواقع لرؤية الكبير من البعيد صغيرا والصغير في الماء كبيرا ، فنقول الاحكام الحسية انما يتأدى إلى العقد الكلى ان كانت صائبة وانما تكون صائبة إذا ساعد عليها العقل فلو لا فصل العقلي وتمييزه بين الحق والباطل لاختلط الصواب بالغلط . م [ 2 ] قوله « وينضاف اليه أحوال الهيئة » جواب سؤال وهو أنا لو فرضنا شخصا في بلاد الزنج ولم يتكرر على حسه مولود الا أسود فهل يفيده ذلك الاعتقاد بأن كل مولود أسود أولا فإن لم يفد فلم صار تكرير يفيده وتكرير لا يفيده ، وان أفادت كانت التجربة خطاء وزال الوثوق بها . أجاب بأن التجربة إذا كانت مقرونة بهيئة كما في المثال المذكور كأن كانت التجربة في ناس سود في بلاد مخصوصة لا يعطى حكما كليا مطلقا بل مقيدا بتلك الهيئة ، وحينئذ لا يتطرق الخطاء إلى الحكم الا أن الهيئة ربما تقارن الحكم بالذات أي يكون له دخل في ثبوت ذلك الحكم وربما يقارنه بالعرض بحيث لا يكون له دخل في ثبوت الحكم وتقييد الحكم يجب أن يكون بالأولى لا بالثانية . م