الجصاص

80

أحكام القرآن

قوله ( لله ) افتتاح كلام وهو مقسوم على خمسة ، وهو قول عطاء والشعبي وقتادة . وقال أبو العالية : كان مقسوما على ستة أسهم لله سهم يجعل للكعبة ولكل واحد من المسمين في الآية سهم . وأخبر ابن عباس في حديث الكلبي أن الخلفاء الأربعة قسموه على ثلاثة . وقال جابر بن عبد الله : كان يحمل من الخمس في سبيل الله ويعطى منه نائبة القوم ثم جعل في غير ذلك . وقال محمد بن مسلمة وهو من المتأخرين من أهل المدينة : جعل الله الرأي في الخمس إلى نبيه صلى الله عليه وسلم كما كانت الأنفال له قبل نزول آية قسمة الغنيمة ، فنسخت الأنفال في الأربعة الأخماس وترك الخمس على ما كان عليه موكولا إلى رأي النبي صلى الله عليه وسلم وكما قال : ( ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم ) [ الحشر : 7 ] ثم قال : ( وما آتاكم الرسول فخذوه ) [ الحشر : 7 ] ، فذكر هذه الوجوه ثم قال : ( وما آتاكم الرسول فخذوه ) [ الحشر : 7 ] فبين في آخره أنه موكول إلى رأي النبي صلى الله عليه وسلم وكذلك الخمس قال فيه إنه لله وللرسول يعني قسمته موكولة إليه ، ثم بين الوجوه التي يقسم عليها على ما يرى ويختار . ويدل على ذلك حديث عبد الواحد بن زياد عن الحجاج بن أرطاة قال : حدثنا أبو الزبير عن جابر أنه سئل : كيف كان النبي صلى الله عليه وسلم يصنع بالخمس ؟ قال : " كان يحمل منه في سبيل الله الرجل ثم الرجل ثم الرجل " . والمعنى في ذلك أنه كان يعطي منه المستحقين ولم يكن يقسمه أخماسا . وأما قول من قال : " إن القسمة كانت في الأصل على ستة وإن سهم الله كان مصروفا إلى الكعبة " فلا معنى له ، لأنه لو كان ذلك ثابتا لورد النقل به متواترا ولكانت الخلفاء بعد النبي صلى الله عليه وسلم أولى الناس باستعمال ذلك ، فلما لم يثبت ذلك عنهم علم أنه غير ثابت . وأيضا فإن سهم الكعبة ليس بأولى بأن يكون منسوبا إلى الله تعالى من سائر السهام المذكورة في الآية إذ كلها مصروف في وجوه القرب إلى الله عز وجل ، فدل ذلك على أن قوله : ( فأن لله خمسه ) غير مخصوص بسهم الكعبة ، فلما بطل ذلك لم يخل المراد بذلك من أحد وجهين : إما أن يكون مفتاحا للكلام على ما حكيناه عن جماعة من السلف وعلى وجه تعليمنا التبرك بذكر الله وافتتاح الأمور باسمه ، أو أن يكون معناه أن الخمس مصروف في وجوه القرب إلى الله تعالى ، ثم بين تلك الوجوه فقال : ( وللرسول ولذي القربى ) الآية ، فأجمل بديا حكم الخمس ثم فسر الوجوه التي أجملها . فإن قيل : لو أراد ما قلت لقال : فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى ، ولم يكن يدخل الواو بين اسم الله تعالى واسم رسول الله . قيل له : لا يجب ذلك ، من قبل أنه جائز في اللغة إدخال الواو والمراد إلغاؤها كما قال تعالى : ( ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان