الجصاص
77
أحكام القرآن
ذلك بقوله تعالى : ( واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه ) ونسخ بهذا الأنفال التي جعلها للرسول في جملة الغنيمة . وقد روى مجمع بن جارية : " أن النبي صلى الله عليه وسلم قسم غنائم خيبر فجعل للفارس سهمين وللراجل سهما " ، وروى ابن الفضيل عن الحجاج عن أبي صالح عن ابن عباس قال : " قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم خيبر للفارس ثلاثة أسهم وللراجل سهما " . وهذا خلاف رواية مجمع بن جارية ، وقد يمكن الجمع بينهما بأن يكون قسم لبعض الفرسان سهمين وهو المستحق وقسم لبعضهم ثلاثة أسهم وكان السهم الزائد على وجه النفل ، كما روى سلمة بن الأكوع : " أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطاه في غزوة ذي قرد سهمين سهم الفارس والراجل وكان راجلا يومئذ " ، وكما روي أنه أعطى الزبير يومئذ أربعة أسهم . وروى سفيان بن عيينة عن هشام بن عروة عن يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير أن الزبير كان يضرب له في المغنم بأربعة أسهم ، وهذه الزيادة كانت على وجه النفل تحريضا لهم على إيجاف الخيل ، كما كان ينفل سلب القتيل ويقول : " من أصاب شيئا فهو له " تحريضا على القتال . فإن قيل : لما اختلفت الأخبار كان خبر الزائد أولى . قيل له : هذا إذا ثبتت الزيادة كانت على وجه الاستحقاق ، فأما إذا احتمل أن تكون على وجه النفل فلم تثبت هذه الزيادة مستحقة . وأيضا فإن في خبرنا اثبات زيادة لسهم الراجل لأنه كلما نقص نصيب الفارس زاد نصيب الراجل ، ويدل على ما ذكرنا من طريق النظر أن الفرس لما كان آلة كان القياس أن لا يسهم له كسائر الآلات ، فتركنا القياس في السهم الواحد والباقي محمول على القياس ، وعلى هذا لو حضر الفرس دون الرجل لم يستحق شيئا ولو حضر الرجل دون الفرس استحق ، فلما لم يجاوز بالرجل سهما واحدا كان الفرس به أولى . وأيضا الرجل آكد أمرا في استحقاق السهم من الفرس ، بدلالة أن الرجال وإن كثروا استحقوا سهامهم ، ولو حضرت جماعة أفراس لرجل واحد لم يستحق إلا لفرس واحد ، فلما كان الرجل آكد أمرا من الفرس ولم يستحق أكثر من سهم فالفرس أحرى بذلك . واختلف في البراذين ، فقال أصحابنا ومالك والثوري والشافعي : " البرذون والفرس سواء " . وقال الأوزاعي : " كانت أئمة المسلمين فيما سلف لا يسهمون للبراذين حتى هاجت الفتنة من بعد قتل الوليد بن يزيد " . وقال الليث : " للهجين والبرذون سهم واحد ولا يلحقان بالعراب " . قال أبو بكر : قال الله تعالى : ( ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم ) . وقال : ( فما أوجفتم عليه من خيل ولا وركاب ) [ الحشر : 6 ] ، وقال : ( والخيل والبغال والحمير ) [ النحل : 8 ] ، فعقل باسم الخيل في هذه الآيات البراذين كما عقل منها العراب ، فلما شملها اسم الخيل وجب أن يستويا في السهمان .