الجصاص

71

أحكام القرآن

السائل تأويل ساقط لا معنى له . وأما الأخبار المروية في أن السلب للقاتل فإنما ذلك كلام خرج على الحال التي حض فيها للقتال ، وكان يقول ذلك تحريضا لهم وتضرية على العدو ، كما روي أنه قال : " من أصاب شيئا فهو له " ، وكما حدثنا أحمد بن خالد الجزوري : حدثنا محمد بن يحيى الدهاني : حدثنا موسى بن إسماعيل : حدثنا غالب بن حجرة قال : حدثتني أم عبد الله - وهي ابنة الملقام بن التلب - عن أبيها عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " من أتى بمول فله سلبه " ، ومعلوم أن ذلك حكم مقصور على الحال في تلك الحرب خاصة إذ لا خلاف أنه لا يستحق السلب بأخذه موليا ، وهو كقوله يوم فتح مكة : " من دخل دار أبي سفيان فهو آمن ومن دخل المسجد فهو آمن ومن دخل بيته فهو آمن ومن ألقى سلاحه فهو آمن " . ويدل على أن السلب غير مستحق للقاتل إلا أن يكون قد قال الأمير من قتل قتيلا فله سلبه ، ما حدثنا محمد بن بكر قال : حدثنا أبو داود قال : حدثنا أحمد بن حنبل قال : حدثنا الوليد بن مسلم : حدثني صفوان بن عمرو عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير عن أبيه عن عوف بن مالك الأشجعي قال : خرجت مع زيد بن حارثة في غزوة مؤتة ورافقني مددي من أهل اليمن ليس معه غير سيفه ، فنحر رجل من المسلمين جزورا ، فسأله المددي طائفة من جلده ، فأعطاه إياه فاتخذه كهيئة الدرق ، ومضينا فلقينا جموع الروم وفيهم رجل على فرس له أشقر عليه سرج مذهب وسلاح مذهب ، فحمل الرومي يغري بالمسلمين وقعد له المددي خلف صخرة ، فمر به الرومي فعرقب فرسه وخر وعلاه فقتله وحاز فرسه وسلاحه ، فلما فتح الله عز وجل للمسلمين بعث إليه خالد بن الوليد فأخذ منه السلب ، قال عوف : فأتيته فقلت : يا خالد أما علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى بالسلب للقاتل ؟ فقال : بلى ولكن استكثرته ، فقلت : لتردنه إليه أو لأعرفنكها عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ! فأبى أن يرد عليه ، قال عوف : فاجتمعنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقصصت عليه قصة المددي وما فعل خالد ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يا خالد ما حملك على ما صنعت ؟ " قال : يا رسول الله استكثرته ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يا خالد رد عليه ما أخذت منه ! " قال عوف : فقلت : دونك يا خالد ألم أف لك ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " وما ذاك ؟ " فأخبرته ، قال : فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : " يا خالد لا ترد عليه هل أنتم تاركوا أمرائي لكم صفوة أمرهم وعليهم كدره " . حدثنا محمد بن بكر قال : حدثنا أبو داود قال : حدثنا أحمد بن حنبل قال : حدثنا الوليد قال : سألت ثورا عن هذا الحديث ، فحدثني عن خالد بن معدان عن جبير بن نفير عن عوف بن مالك الأشجعي نحوه . فلما قال النبي صلى الله عليه وسلم : " يا خالد لا ترد عليه " دل ذلك على أن السلب غير مستحق للقاتل ، لأنه لو استحقه لما جاز أن